تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
عرفت هذا فنقول ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد إحداها : أن من باشر فعلا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض ، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء ، فلذلك قال :
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
وثانيها : أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ، ونبه على الأخرى كقوله :
سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ
[ النحل : 81 ] والتقدير : فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع وثالثها : أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى ، كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق : قد أوضحت لك إن كنت تعقل فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع به ورابعها : أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل : ادع فلانا إن أجابك ، والمعنى وما أراه يجيبك وخامسها : أنه عليه السلام دعاهم إلى اللّه كثيرا ، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر ، وكان عليه السلام يحترق « 1 » حسرة على ذلك فقيل له :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
[ ق : 45 ] إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط . السؤال الثاني : التعليق بالشرط إنما يحسن في حق من يكون جاهلا بالعواقب ، أما علام الغيوب فكيف يليق به ذلك ؟ الجواب : روي في الكتب أنه تعالى كان يقول لموسى :
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
[ طه : 44 ] وأنا أشهد أنه لا يتذكر ولا يخشى . فأمر الدعوة والبعثة شيء وعلمه تعالى بالمغيبات وعواقب الأمور غير ولا يمكن بناء أحدهما على الآخر . السؤال الثالث : التذكير المأمور به هل مضبوط مثل أن يذكرهم عشرات مرات ، أو غير مضبوط ، وحينئذ كيف يكون الخروج عن عهدة التكليف ؟ والجواب : أن الضابط فيه هو العرف واللّه أعلم . أما قوله تعالى :

[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 10 ]

سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام منهم من قطع بصحته ، ومنهم من جوز وجوده ولكنه غير قاطع فيه لا بالنفي ولا بالإثبات ، ومنهم من أصر على إنكاره وقطع بأنه لا يكون فالقسمان الأولان تكون الخشية حاصلة لهما ، وأما القسم الثالث فلا خشية له ولا خوف إذا عرفت ذلك ظهر أن الآية تحتمل تفسيرين : أحدهما : أن يقال : الذي يخشى هو الذي يكون عارفا باللّه وعارفا بكمال قدرته وعلمه وحكمته ، وذلك يقتضي كونه قاطعا بصحة المعاد / ولذلك قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] فكأنه تعالى لما قال :
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
بين في هذه الآية أن الذي تنفعه الذكرى من هو ، ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنيا على حصول الخشية في القلب ، وصفات القلوب مما لا اطلاع لأحد عليها إلا اللّه سبحانه وجب على الرسول تعميم الدعوة تحصيلا للمقصود ، فإن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير ، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير . الثاني : أن يقال : إن الخشية حاصلة للعاملين وللمتوقفين غير المعاندين وأكثر الخلق متوقفون غير معاندين والمعاند فيهم قليل ، فإذا ضم إلى المتوقفين الذين لهم الغلبة العارفون كانت الغلبة العظيمة لغير المعاندين ، ثم إن كثيرا من المعاندين ، إنما يعاندون باللسان ، فأما المعاند في قلبه بينه وبين نفسه
هامش
( 1 ) في الأصل ( يحترق ) والمناسب يتحرق لاشتياق وهو من تحريف النساخ ( الصاوي ) .