تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول
هذا ما قيل لكن التحقيق ما ذكرنا أن الفرق الثلاثة ، العارف والمتوقف والمعاند فالسعيد هو العارف ، والمتوقف له بعض الشقاء والأشقى هو المعاند الذي بينا أنه هو الذي لا يلتفت إلى الدعوة ولا يصغى إليها ويتجنبها . أما قوله تعالى :

[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 13 ]

ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى : للمفسرين فيه وجهان : أحدهما : لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه ، كما قال :
لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها
[ فاطر : 36 ] وهذا على مذهب العرب تقول للمبتلى بالبلاء الشديد لا هو حي ولا هو ميت وثانيهما : معناه أن نفس أحدهم في النار تصير في حلقه فلا تخرج فيموت ، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا . المسألة الثانية : إنما قيل :
ثُمَّ
لأن هذه الحالة أفظع وأعظم من الصلى فهو متراخ عنه في مراتب الشدة . أما قوله تعالى :

[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 14 ]

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) ففيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى لما ذكر وعيد من أعرض عن النظر والتأمل في دلائل اللّه تعالى ، أتبعه بالوعد لمن تزكى ويطهر من دنس الشرك وثانيهما : وهو قول الزجاج : تكثر من التقوى لأن معنى الزاكي النامي الكثير ، وهذا الوجه معتضد بقوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
[ المؤمنون : 1 ، 2 ] أثبت الفلاح للمستجمعين لتلك الخصال وكذلك قوله تعالى في أول البقرة :
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ البقرة : 5 ] وأما الوجه الأول فإنه معتضد بوجهين : الأول : أنه تعالى لما لم يذكر في الآية ما يجب التزكي عنه علمنا أن المراد هو التزكي عما مر ذكره قبل الآية ، وذلك هو الكفر ، فعلمنا أن المراد هاهنا : قد / أفلح من تزكى عن الكفر الذي مر ذكره قبل هذه الآية والثاني : أن الاسم المطلق ينصرف إلى المسمى الكامل ، وأكمل أنواع التزكية هو تزكية القلب عن ظلمة الكفر فوجب صرف هذا المطلق إليه ، ويتأكد هذا التأويل بما روي عن ابن عباس أنه قال معنى : تزكى قول : لا إله إلا اللّه . أما قوله تعالى :

[ سورة الأعلى ( 87 ) : آية 15 ]

وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكر المفسرون فيه وجوها . أحدها : قال ابن عباس : ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له . وأقول : هذا التفسير متعين وذلك لأن مراتب أعمال المكلف ثلاثة أولها : إزالة العقائد الفاسدة عن القلب وثانيها : استحضار معرفة اللّه تعالى بذاته وصفاته وأسمائه وثالثها : الاشتغال بخدمته . فالمرتبة الأولى : هي المراد بالتزكية في قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
[ الأعلى : 14 ] .