تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
واعلم أن اللّه تعالى لما حكى عنهم أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون شرح كيفية ذلك التساؤل فقال :
إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ
وهذا قول الأتباع لمن دعاهم إلى الضلالة ، وفي تفسير اليمين وجوه الأول : أن لفظ اليمين هاهنا استعارة عن الخيرات والسعادات ، وبيان كيفية هذه الاستعارة ، أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر لوجوه أحدها : اتفاق الكل على أن أشرف الجانبين هو اليمين والثاني : لا يباشرون الأعمال الشريفة إلا باليمين مثل مصافحة الأخيار والأكل والشرب وما على العكس منه يباشرونه باليد اليسرى الثالث : أنهم كانوا يتفاءلون وكانوا يتيمنون بالجانب الأيمن ويسمونه بالبارح الرابع : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان يحب التيامن في كل شيء الخامس : أن الشريعة حكمت بأن الجانب الأيمن لكاتب الحسنات والأيسر لكاتب السيئات السادس : أن اللّه تعالى وعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه ، والمسئ أن يؤتى كتابه بيساره ، فثبت أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر ، وإذا كان كذلك لا جرم ، استعير لفظ اليمين للخيرات والحسنات والطاعات ، فقوله :
إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ
يعني أنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون لنا أن مقصودكم من الدعوة إلى تلك الأديان نصرة الحق وتقوية الصدق والوجه الثاني : في التأويل أنه يقال فلان يمين فلان ، إذا كان عنده بالمنزلة الحسنة ، فقال هؤلاء الكفار لأئمتهم الذين أضلوهم وزينوا لهم الكفر : إنكم كنتم تخدعوننا وتوهمون لنا ، أننا عندكم بمنزلة اليمين ، أي بالمنزلة الحسنة ، فوثقنا بكم وقبلنا عنكم الوجه الثالث : أن أئمة الكفار كانوا قد حلفوا لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق ، فوثقوا بإيمانهم وتمسكوا بعهودهم التي عهدوها لهم ، فمعنى قوله :
كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ
أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا الوجه الرابع : أن لفظ اليمين مستعار من القوة والقهر ، لأن اليمين موصوفة بالقهر وبها يقع البطش ، والمعنى أنكم كنتم تأتوننا عن القوة والقهر ، وتقصدوننا عن السلطان والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتعيرونا عليه ، ثم حكى اللّه تعالى عن الرؤساء أنهم أجابوا الأتباع من وجوه الأول : أنهم قالوا لهم
بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
يعني أنكم ما كنتم موصوفين بالإيمان حتى يقال إنا أزلناكم عنه الثاني : قولهم :
وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ
يعني لا قدرة لنا عليكم حتى نقهركم ونجبركم الثالث :
بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ
أي ضالين غالين في معصية اللّه الرابع : قولهم :
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ
والمعنى أن اللّه تعالى لما أخبر عن / وقوعنا في العذاب ، فلو لم يحصل وقوعنا في العذاب لما كان خبر اللّه حقا ، بل كان باطلا ، ولما كان خبر اللّه أمرا واجبا لا جرم ، كان الوقوع في العذاب الأليم لازما ، قال مقاتل قوله تعالى :
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا
إشارة إلى قول اللّه لإبليس :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 85 ] وقوله تعالى :
إِنَّا لَذائِقُونَ
يعني لما وجب أن يحق علينا قول ربنا وجب أن نكون ذائقين لهذا العذاب الخامس : قولهم :
فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ
والمعنى أنا إنما أقدمنا على إغوائكم لأنا كنا موصوفين في أنفسنا بالغواية ، وفيه دقيقة أخرى ، كأنهم قالوا : إن اعتقدتم أن غوايتكم بسبب إغوائنا فغوايتنا إن كانت بسبب إغواء غاو آخر ولزم التسلسل وذلك محال ، فعلمنا أن حصول الغواية والرشاد ليس من قبلنا ، بل من قبل غيرنا ، وذلك الغير هو الذي ذكره فيما قبل ، وهو قوله :
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا
ولما حكى اللّه تعالى كلام الأتباع للرؤساء وكلام الرؤساء للأتباع قال بعده :
فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
يعني فالمتبوع والتابع والمخدوم والخادم مشتركون في الوقوع في العذاب كما كانوا في الدنيا