تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
وثانيها : قال الزجاج أي ذات لذة فعلى هذا حذف المضاف وثالثها : قال الليث : اللذ واللذيذ يجريان مجرى واحدا في النعت ويقال شراب لذ ولذيذ قال تعالى :
بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
وقال تعالى :
مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
[ محمد : 15 ] ولذلك سمي النوم لذا لاستلذاذه ، وعلى هذا لذة بمعنى لذيذة ، والأقرب من هذه الوجوه الأول . ثم قال تعالى :
لا فِيها غَوْلٌ
وفيه أبحاث : البحث الأول : قال الفراء العرب تقول ليس فيها غيلة وغائلة وغول سواء ، وقال أبو عبيدة الغول أن يغتال عقولهم ، وأنشد قول مطيع بن إياس :
وما زالت الكأس تغتالهم * وتذهب بالأول الأول
وقال الليث : الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا ، قال الواحدي رحمه اللّه وحقيقته الإهلاك ، يقال غاله غولا أي أهلكه ، والغول والغائل المهلك ، ثم سمي الصداع غولا لأنه يؤدي إلى الهلاك . ثم قال تعالى :
وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ
وقرئ بكسر الزاي قال الفراء من كسر الزاي فله معنيان يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمرته ، وأنزف إذا ذهب عقله من السكر ومن فتح الزاي فمعناه / لا يذهب عقولهم أي لا يسكرون يقال نزف الرجل فهو منزوف ونزيف ، والمعنى ليس فيها قط نوع من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من صداع أو خمار أو عربدة ولا هم يسكرون أيضا ، وخصه بالذكر لأنه أعظم المفاسد في شرب الخمر ، ولما ذكر اللّه تعالى صفة مشروبهم ذكر عقيبه صفة منكوحهم من ثلاثة أوجه الأول : قوله :
وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ
ومعنى القصر في اللغة الحبس ومنه قوله تعالى :
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
[ الرحمن : 72 ] والمعنى أنهن يحبسن نظرهن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن . الصفة الثانية : قوله تعالى :
عِينٌ
قال الزجاج : كبار الأعين حسانها واحدها عيناء . الصفة الثالثة : قوله تعالى :
كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
المكنون في اللغة المستور يقال كننت الشيء وأكننته ، ومعنى هذا التشبيه أن ظاهر البيض بياض يشوبه قليل من الصفرة ، فإذا كان مكنونا كان مصونا عن الغبرة والقترة ، فكان هذا اللون في غاية الحسن والعرب كانوا يسمون النساء بيضات الخدور . ولما تمم اللّه صفات أهل الجنة قال :
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
فإن قيل على أي شيء عطف قوله :
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
؟ قلنا على قوله :
يُطافُ عَلَيْهِمْ
والمعنى يشربون ويتحادثون على الشراب قال الشاعر :
وما بقيت من اللذات إلا * محادثة الكرام على المدام
والمعنى فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا .

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 51 إلى 61 ]

قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ( 51 ) يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ( 52 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ ( 53 ) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ( 54 ) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ( 55 ) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ( 56 ) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 ) أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 59 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 60 ) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ( 61 )