اعلم أنه تعالى لما وصف أحوال المتكبرين عن قبول التوحيد المصرين على إنكار النبوة أردفه بذكر حال المخلصين في كيفية الثواب ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكرنا في فتح اللام وكسرها من المخلصين قراءتين فالفتح أن اللّه تعالى أخلصهم بلطفه واصطفاهم بفضله والكسر هو أنهم أخلصوا الطاعة للّه تعالى .
المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلوما ، ولم يبين أن أي الصفات منه هو المعلوم فلذلك اختلفت الأقوال ، فقيل معناه إن ذلك الرزق معلوم الوقت وهو مقدار غدوة وعشية وإن لم يكن ثمة لا بكرة ولا عشية ، قال تعالى :
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[ مريم : 62 ] ، وقيل معناه أن ذلك الرزق معلوم الصفة لكونه مخصوصا بخصائص خلقها اللّه فيه من طيب طعم ورائحة ولذة وحسن منظر ، وقيل معناه أنهم يتيقنون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ولا متى ينقطع ، وقيل معناه : القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب اللّه وكرامته عليهم ، وقد بين اللّه تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على سبيل التفضل ، ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقا بين أن ذلك الرزق ما هو فقال :
فَواكِهُ
وفيه قولان الأول : أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة ، وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات / فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد ، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ والثاني : أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى ، يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبدا كان الإدام أولى بالحضور ، والقول الأول أقرب إلى التحقيق ، واعلم أنه تعالى لما ذكر الأكل بين أن ذلك الأكل حاصل مع الإكرام والتعظيم فقال :
وَهُمْ مُكْرَمُونَ
لأن الأكل الخالي عن التعظيم يليق بالبهائم .
ولما ذكر تعالى مأكولهم وصف تعالى مساكنهم فقال :
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
ومعناه أنه لا كلفة عليهم في التلاقي للأنس والتخاطب ، وفي بعض الأخبار أنهم إذا أرادوا القرب سار السرير تحتهم ، ولا يجوز أن يكونوا متقابلين إلا مع حصول الخواطر والسرائر ولن يكونوا كذلك إلا مع الفسحة والسعة ، ولا يجوز أن يسمع بعضهم خطاب بعض ويراه على بعد إلا بأن يقوي اللّه أبصارهم وأسماعهم وأصواتهم ، ولما شرح اللّه صفة المأكل والمسكن ذكر بعده صفة الشراب فقال :
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
يقال للزجاجة التي فيها الخمر كأس وتسمى الخمرة نفسها كأسا قال :
وكأس شربت على لذة * [ وأخرى تداويت منها بها ]
وعن الأخفش : كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وقوله :
مِنْ مَعِينٍ
أي من شراب معين ، أو من نهر معين ، المعين مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي معينا لظهوره يقال عان الماء إذا ظهر جاريا ، قاله ثعلب فهو مفعول من العين نحو مبيع ومكيل ، وقيل سمي معينا لأنه يجري ظاهر العين ، ويجوز أن يكون فعيلا من المعين وهو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في المسير إذا اشتد فيه ، وقوله :
بَيْضاءَ
صفة للخمر ، قال الأخفش ، خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ، وقوله :
لَذَّةٍ
فيه وجوه أحدها : أنها وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة في وصفه بهاتين الصفتين