تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
هذا هو اليوم الذي لا حكم فيه لأحد إلا للّه ، وإنما ذكروه لما حصل في قلوبهم من الخوف الشديد . أما قوله تعالى :
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
ففيه بحثان : الأول : اختلفوا في أن هذا هل هو من بقية كلام الكفار أو يقال تم كلامهم عند قوله تعالى :
هذا يَوْمُ الدِّينِ
. وأما قوله :
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ
فهو كلام غيرهم ، فبعضهم قال بالأول وزعم أن قوله :
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ
الآية من كلام بعضهم لبعض ، والأكثرون على القول الثاني واحتجوا بوجهين : الأول : أن قوله :
كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
من كلام بعضهم لبعض خطاب مع جميع الكفار فقائل هذا القول لا بد وأن يكون غير الكفار الثاني : أن قوله :
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ
[ الصافات : 22 ] منسوق على قوله :
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
فلما كان قوله
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا
كلام غير الكفار فكذلك قوله :
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
يجب أن يكون كلام غير الكفار ، وعلى هذا التقدير فقوله :
هذا يَوْمُ الدِّينِ
من كلام الكفار ، وقوله :
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ
من كلام الملائكة جوابا لهم ، والوجه في كونه جوابا لهم أن أولئك الكفار ، إنما اعتقدوا في أنفسهم كونهم محقين في إنكار دعوة الأنبياء عليهم السلام وكونهم محقين في تلك الأديان الفاسدة فقالوا :
هذا يَوْمُ الدِّينِ
أي هذا اليوم الذي يصل فيه إلينا جزاء طاعتنا وخيراتنا ، فالملائكة يقولون لهم إنه لا اعتبار بظواهر الأمور في هذا اليوم فإن هذا اليوم / يفصل فيه الجزاء الحقيقي عن الجزاء الظاهري وتميز فيه الطاعات الحقيقية عن الطاعات المقرونة بالرياء والسمعة فبهذا الطريق صار هذا الكلام من الملائكة جوابا لما ذكره الكفار . ثم قال تعالى :

[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 22 إلى 26 ]

احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ( 22 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ( 23 ) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ( 24 ) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ( 25 ) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 ) وفي الآية أبحاث : البحث الأول : اعلم أنه لا نزاع في أن هذا من كلام الملائكة فإن قيل ما معنى :
احْشُرُوا
مع أنهم قد حشروا من قبل وحضروا في محفل القيامة وقالوا :
هذا يَوْمُ الدِّينِ
[ الصافات : 20 ] وقالت الملائكة لهم بل :
هذا يَوْمُ الْفَصْلِ
[ الصافات : 21 ] أجاب القاضي عنه ، فقال المراد احشروهم إلى دار الجزاء وهي النار ، ولذلك قال بعده :
فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ
أي خذوهم إلى ذلك الطريق ودلوهم عليه ثم سأل نفسه فقال : كيف يصح ذلك وقد قال بعده
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
ومعلوم أن حشرهم إلى الجحيم ، إنما يكون بعد المسألة ، وأجاب أنه ليس في العطف بحرف الواو ترتيب فلا يمتنع أن يقال احشروهم وقفوهم ، مع أنا بعقولنا نعلم أن الوقوف كان قبل الحشر إلى النار ، هذا ما قاله القاضي ، وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال إنهم إذا قاموا من قبورهم لم يبعد أن يقفوا هناك بحيرة تلحقهم بسبب معاينة أهوال القيامة ، ثم إن اللّه تعالى يقول للملائكة : احشروا الذين ظلموا واهدوهم إلى صراط الجحيم ، أي سوقوهم إلى طريق جهنم وقفوهم