القول الأول : قال الجبائي وجمهور المعتزلة : القائلون بالوعيد المراد بالمتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي . قالوا : لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك .
والقول الثاني : وهو قول جمهور الصحابة والتابعين ، وهو المنقول عن ابن عباس أن المراد الذين اتقوا الشرك باللّه تعالى والكفر به . وأقول : هذا القول هو الحق الصحيح ، والذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة ، كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة واحدة ، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة ، فكما أنه ليس من شرط الوصف كونه ضاربا وقاتلا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب والقتل ، فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى ، والذي يقوي هذا الكلام أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى ، لأن كل فرد من أفراد الماهية فإنه يجب كونه مشتملا على تلك الماهية ، فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقيا ، فثبت أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقيا ، ولهذا التحقيق اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار .
إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
يقتضي حصول الجنات والعيون / لكل من اتقى عن شيء واحد ، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم ، وأيضا فإن هذه الآية وردت عقيب قول إبليس :
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
[ الحجر : 40 ] وعقيب قول اللّه تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] فلأجل هذه الدلائل اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر ، لأن تخصيص العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل والظاهر ، فثبت أن قوله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
يتناول جميع القائلين بلا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه قولا واعتقادا سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بين ، وكلام ظاهر .
المسألة الثانية : قوله تعالى :
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
أما الجنات فأربعة لقوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] ثم قال :
وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] فيكون المجموع أربعة وقوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
يؤكد ما قلناه ، لأن من آمن باللّه لا ينفك قلبه عن الخوف من اللّه تعالى وقوله :
وَلِمَنْ خافَ
يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة ، وأما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر اللّه تعالى في قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى
[ محمد : 15 ] ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار .
فإن قيل : أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون ، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل : لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان ، ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهواتهم ، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد وقوله :
ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ
يحتمل أن القائل لقوله :
ادْخُلُوها
هو اللّه تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته ، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون ، وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم :
ادْخُلُوها
.