قوله : أحيا الليل فيه استعارة الاحياء للاستيقاظ أي سهره فأحياه بالطاعة ،
وأحيا نفسه بسهره فيه لأن النوم أخو الموت . ( والحديث ) فيه دليل على مشروعية
الحرص على مداومة القيام في العشر الأواخر من رمضان وإحيائها بالعبادة ، واعتزال
النساء ، وأمر الأهل بالاستكثار من الطاعة فيها . قوله : وأيقظ أهله أي للصلاة ،
وفي الترمذي عن أم سلمة : لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم إذا بقي من رمضان
عشرة أيام يدع أحدا من أهله يطيق القيام إلا أقامه . قوله : وشد المئزر أي
اعتزل النساء كما رواه عبد الرزاق عن الثوري ، وابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش ،
وحكي في الفتح عن الخطابي أنه يحتمل أن يراد به الجد في العبادة ، كما يقال : شددت
لهذا الامر مئزري أي شمرت له ، ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معا ، ويحتمل
أن يراد حقيقته ، والمجاز كمن يقول : طويل النجاد لطويل القامة وهو طويل النجاد
حقيقة ، يعني شد مئزره حقيقة ، واعتزل النساء وشمر للعبادة يعني فيكون كناية وهو
يجوز فيها إرادة اللازم والملزوم . وقد وقع في رواية : شد مئزره واعتزل النساء
فالعطف بالواو يقوي الاحتمال الأول كما قال الحافظ .
وعن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قام ليلة
القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه رواه الجماعة إلا ابن ماجة .
وعن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول
فيها ؟ قال قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني رواه الترمذي وصححه ، وأحمد
وابن ماجة وقالا فيه : أرأيت إن وافقت ليلة القدر . الحديث الأول قد تقدم مع شرحه في باب صلاة التراويح ، وأورده المصنف ههنا
للاستدلال به على مشروعية قيام ليلة القدر . والحديث الثاني صححه الترمذي كما ذكر
المصنف ، وفيه دليل على إمكان معرفة ليلة القدر وبقائها ، وسيأتي الكلام على ذلك . قوله :
ليلة القدر اختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة فقيل : هو التعظيم لقوله
تعالى : * ( وما قدروا الله حق قدره ) * ( الانعام : 91 ) والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها ، أو لما يقع فيها من
نزول الملائكة ، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر ،
وقيل : القدر هنا التضييق لقوله تعالى : * ( ومن قدر عليه رزقه ) * ( الطلاق : 7 ) ومعنى التضييق فيها إخفاؤها
عن العلم بتعيينها . وقيل : القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال الذي هو مؤاخي القضاء . والمعنى
نيل الأوطار — صفحة 362
مساهمون: الشوكاني
ص٣٦٢