تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
وقرأ عبد اللَّه : إن يكن غني أو فقير ، على ( كان ) التامة . ثم قال تعالى :
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا
والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل ، وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى ، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ، فتقدير الآية : فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن تعدلوا . ثم قال تعالى :
وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور
وَإِنْ تَلْوُوا
بواوين ، وقرأ ابن عامر وحمزة تلوا وأما قراءة
تَلْوُوا
ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون بمعنى الدفع والاعراض من قولهم : لواه حقه إذا مطله ودفعه . الثاني : أن يكون بمعنى التحريف والتبديل من قولهم : لوى الشيء إذا فتله ، ومنه يقال : التوى هذا الأمر إذا تعقد وتعسر تشبيها بالشيء المنفتل ، وأما تلوا ففيه وجهان : الأول : أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به ، والمعنى أن تقبلوا عليه فتتموه أو تعرضوا عنه فإن اللَّه كان بما تعملون خبيرا فيجازى المحسن المقبل بإحسانه والمسئ المعرض بإساءته ، والحاصل : إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها ، والثاني : قال الفرّاء والزجاج : يجوز أن يقال : تلوا أصله تلووا ثم قلبت الواو همزة ، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها فصار
تَلْوُوا
وهذا أضعف الوجهين ، وأما قوله
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالإحسان للمطيعين .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 136 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 136 ) [ في قوله تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
إلى قوله
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
] وفيه مسائل : المسألة الأولى : في اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنها متصلة بقوله :
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ
وذلك لأن الإنسان لا يكون قائما بالقسط إلا إذا كان راسخ القدم في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية ، وثانيهما : أنه تعالى لما بيّن الأحكام الكثيرة في هذه السورة ذكر عقيبها آية الأمر بالإيمان . المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
مشعر بأنه أمر بتحصيل الحاصل ، ولا شك أنه محال ، فلهذا السبب ذكر المفسرون فيه وجوها وهي منحصرة في قولين : الأول : أن المراد بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
المسلمون ، ثم في تفسير الآية تفريعا على هذا القول وجوه : الأول : أن المراد منه يا أيها الذين آمنوا آمنوا دوموا على الإيمان واثبتوا عليه ، وحاصله يرجع إلى هذا المعنى : يا أيها الذين آمنوا في الماضي والحاضر آمنوا في المستقبل ، ونظيره قوله
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمد : 19 ] مع أنه كان عالما بذلك . وثانيها : يا أيها الذين آمنوا على سبيل التقليد آمنوا على سبيل الاستدلال . وثالثها : يا أيها الذين آمنوا بحسب الاستدلالات الجميلة آمنوا بحسب الدلائل التفصيلية . ورابعها : يا أيها الذين آمنوا بالدلائل التفصيلية باللَّه وملائكته وكتبه ورسله أمنوا بأن كنه عظمة اللَّه لا تنتهي إليه عقولكم ، وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا تنتهي إليها على سبيل التفصيل عقولنا . وخامسها : روي أن جماعة من أحبار اليهود جاءوا إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقالوا : يا رسول اللَّه إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل ، فقال صلى اللَّه عليه وسلم : بل آمنوا باللَّه وبرسله وبمحمد وبكتابه القرآن