وبكل كتاب كان قبله ، فقالوا : لا نفعل ، فنزلت هذه الآية فكلهم آمنوا .
القول الثاني : أن المخاطبين بقوله
آمَنُوا
ليس هم المسلمون ، وفي تفسير الآية تفريعا على هذا القول وجوه : الأول : أن الخطاب مع اليهود والنصارى ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن . وثانيها : أن الخطاب مع المنافقين ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب ، ويتأكد هذا بقوله تعالى :
مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ / وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
[ المائدة : 41 ] وثالثها :
أنه خطاب مع الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره ، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا وجه النهار آمنوا أيضا آخره .
ورابعها : أنه خطاب للمشركين تقديره : يا أيها الذين آمنوا باللّات والعزى آمنوا باللَّه ، وأكثر العلماء رجّحوا القول الأول لأن لفظ المؤمن لا يتناول عند الإطلاق إلا المسلمين .
المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو
وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ
على ما لم يسم فاعله ، والباقون ( نزل وأنزل ) بالفتح ، فمن ضم فحجته قوله تعالى :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
وقال في آية أخرى
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ
[ الأنعام : 114 ] ومن فتح فحجته قوله
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وقوله
وَأَنْزَلْنا ( إِلَيْكَ ) الذِّكْرَ
وقال بعض العلماء : كلاهما حسن إلا أن الضم أفخم كما في قوله
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
[ هود : 44 ] .
المسألة الرابعة : اعلم أنه أمر في هذه الآية بالإيمان بأربعة أشياء : أولها : باللَّه ، وثانيها : برسوله ، وثالثها :
بالكتاب الذي نزل على رسوله ، ورابعها : بالكتاب الذي أنزل من قبل ، وذكر في الكفر أمورا خمسة : فأولها الكفر باللَّه ، وثانيها الكفر بملائكته ، وثالثها الكفر بكتبه ، ورابعها الكفر برسله ، وخامسها الكفر باليوم الآخر .
ثم قال تعالى :
فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً
وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب ، وفي مراتب الكفر قلب القضية ؟
الجواب : لأن في مرتبة النزول من معرفة الخالق إلى الخلق كان الكتاب مقدما على الرسول وفي مرتبة العروج من الخلق إلى الخالق يكون الرسول مقدما على الكتاب .
السؤال الثاني : لم ذكر في مراتب الإيمان أمورا ثلاثة : الإيمان باللَّه وبالرسول وبالكتب ، وذكر في مراتب الكفر أمورا خمسة : الكفر باللَّه وبالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر .
والجواب : أن الإيمان باللَّه وبالرسل وبالكتب متى حصل فقد حصل الإيمان بالملائكة واليوم الآخر لا محالة ، إذ ربما ادعى الإنسان أنه يؤمن باللَّه وبالرسل وبالكتب ، ثم إنه ينكر الملائكة وينكر اليوم الآخر ، ويزعم أنه يجعل الآيات الواردة في الملائكة وفي اليوم الآخر محمولة على التأويل ، فلما كان هذا الاحتمال قائما لا جرم نص أن منكر الملائكة ومنكر القيامة كافر باللَّه .
السؤال الثالث : كيف قيل لأهل الكتب
وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
مع أنهم ما كانوا / كافرين بالتوراة والإنجيل بل مؤمنين بهما ؟
والجواب عنه من وجهين : الأول : أنهم كانوا مؤمنين بهما فقط وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب ، فأمروا أن يؤمنوا بكل الكتب المنزلة ، الثاني : أن إيمانهم ببعض الكتب دون البعض لا يصح لأن طريق الإيمان