تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
بعد ذلك ببذل النفس والمال في سبيل اللَّه ، وأجرى في هذه السورة قصة طعمة بن أبيرق واجتماع قومه على الذب عنه بالكذب والشهادة على اليهودي / بالباطل . ثم إنه تعالى أمر في هذه الآيات بالمصالحة مع الزوجة ، ومعلوم أن ذلك أمر من اللَّه لعباده بأن يكونوا قائمين بالقسط ، شاهدين للَّه على كل أحد ، بل وعلى أنفسهم ، فكانت هذه الآية كالمؤكد لكل ما جرى ذكره في هذه السورة من أنواع التكاليف . المسألة الثانية : القوام مبالغة من قائم ، والقسط العدل ، فهذا أمر منه تعالى لجميع المكلفين بأن يكونوا مبالغين في اختيار العدل والاحتراز عن الجور والميل ، وقوله
شُهَداءَ لِلَّهِ
أي تقيمون شهاداتكم لوجه اللَّه كما أمرتم بإقامتها ، ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم ، وشهادة الإنسان على نفسه لها تفسيران : الأول : أن يقر على نفسه لأن الإقرار كالشهادة في كونه موجبا إلزام الحق ، والثاني : أن يكون المراد وإن كانت الشهادة وبالا على أنفسكم وأقاربكم ، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره . المسألة الثالثة : في نصب
شُهَداءَ
ثلاثة أوجه : الأول : على الحال من
قَوَّامِينَ
. والثاني : أنه خبر على أن
كُونُوا
لها خبران ، والثالث : أن تكون صفة لقوامين . المسألة الرابعة : إنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه : الأول : أن أكثر الناس عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف ، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى أن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل المسامحة وأحسن الحسن ، وإذا صدر عن غيرهم كان في محل المنازعة فاللَّه سبحانه نبّه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة ، وذلك أنه تعالى أمرهم بالقيام بالقسط أولا ، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا ، تنبيها على أن الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير . الثاني : أن القيام بالقسط عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير ، وهو الذي عليه الحق ، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير ، الثالث : أن القيام بالقسط فعل ، والشهادة قول ، والفعل أقوى من القول . فإن قيل : إنه تعالى قال :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ
[ آل عمران : 18 ] فقدم الشهادة على القيام بالقسط ، وهاهنا قدم القيام بالقسط ، فما الفرق ؟ قلنا : شهادة اللَّه تعالى عبارة عن كونه تعالى خالقا للمخلوقات ، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية القوامين بالعدل في تلك المخلوقات ، فيلزم هناك أن تكون الشهادة مقدمة على القيام بالقسط ، أما في حق العباد فالقيام بالقسط عبارة عن كونه مراعيا للعدل ومباينا للجور ، ومعلوم أنه ما لم يكن الإنسان كذلك لم تكن شهادته على الغير مقبولة ، فثبت أن الواجب في قوله
شَهِدَ اللَّهُ
أن تكون تلك الشهادة مقدمة على القيام بالقسط والواجب هاهنا أن تكون الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط ، / ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا يمكن الوصول إليها إلا بالتأييد الإلهي واللَّه أعلم . ثم قال تعالى :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
أي إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير ، فاللَّه أولى بأمورهما ومصالحهما ، وكان من حق الكلام أن يقال : فاللَّه أولى به ، لأن قوله
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً
في معنى إن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ ، أي اللَّه أولى بالفقير والغني ، وفي قراءة أُبي فاللَّه أولى بهم ، وهو راجع إلى قوله