تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
المسألة الثانية : قوله
مِنْ قَبْلِكُمْ
فيه وجهان : أنه متعلق بوصينا ، يعني ولقد وصينا من قبلكم الذين أوتوا الكتاب . والثاني : أنه متعلق بأوتوا ، يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وصيناهم بذلك . وقوله
وَإِيَّاكُمْ
بالعطف على
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
والكتاب اسم للجنس يتناول الكتب السماوية ، والمراد اليهود والنصارى . المسألة الثالثة : قوله
أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
كقولك : أمرتك الخير ، قال الكسائي : يقال أوصيتك أن افعل كذا وأن تفعل كذا ، ويقال : ألم آمرك أن ائت زيدا ، وأن تأتي زيدا ، قال تعالى :
أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ
[ الأنعام : 14 ] وقال
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ
[ النمل : 91 ] . ثم قال تعالى :
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً
قوله
وَإِنْ تَكْفُرُوا
عطف على قوله
اتَّقُوا اللَّهَ
والمعنى : أمرناهم وأمرناكم بالتقوى ، وقلنا لهم ولكم : إن تكفروا فإن للَّه ما في السماوات وما في الأرض . وفيه وجهان : الأول : أنه تعالى خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها ، فحق كل عاقل أن يكون منقادا لأوامره ونواهيه يرجو ثوابه ويخاف عقابه ، والثاني : أنكم إن تكفروا فإن للَّه ما في سماواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده ويتقيه ، وكان مع ذلك غنيا عن خلقهم وعن عبادتهم ، ومستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه ، وإن لم يحمده أحد منهم فهو في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه . ثم قال تعالى :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
. فإن قيل : ما الفائدة في تكرير قوله
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
. قلنا : إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور : فأولها : أنه تعالى قال :
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
[ النساء : 130 ] والمراد منه كونه تعالى جوادا متفضلا ، فذكر عقيبه قوله
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم ، وثانيها : / قال
وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
والمراد منه أنه تعالى منزّه عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين ، فلا يزداد جلاله بالطاعات ، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات ، فذكر عقيبه قوله
فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
والغرض منه تقرير كونه غنيا لذاته عن الكل ، وثالثها : قال :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً
والمراد منه أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد ، فإن عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية ، وعلى أن يوجد قوما آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه ، فالغرض هاهنا تقدير كونه سبحانه وتعالى قادرا على جميع المقدورات ، وإذا كان الدليل الواحد دليلا على مدلولات كثيرة فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات ، ثم يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني ، ثم يذكره ثالثا ليستدل به على المدلول الثالث ، وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة ، لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول ، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى ، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال . وأيضا فإذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال اللَّه تنبه الذهن حينئذ