الإيمان تارة ، والكفر أخرى على ما أخبر اللَّه تعالى عنهم أنهم قالوا
آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[ آل عمران : 72 ] وقوله
ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
معناه أنهم بلغوا في ذلك إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام .
المسألة الثانية : دلّت الآية على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وهذا يبطل مذهب القائلين بالموافاة ، وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان .
المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان ، فوجب أن يكون الإيمان أيضا كذلك لأنهما ضدان متنافيان ، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذلك الآخر ، وذكروا في تفسير هذه الزيادة وجوها : الأول : أنهم ماتوا على كفرهم . الثاني : أنهم ازدادوا كفرا بسبب / ذنوب أصابوها حال كفرهم ، وعلى هذا التقدير لما كانت إصابة الذنوب وقت الكفر زيادة في الكفر فكذلك إصابة الطاعات وقت الإيمان يجب أن تكون زيادة في الإيمان . الثالث :
أن الزيادة في الكفر إنما حصلت بقولهم
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[ البقرة : 14 ] وذلك يدل على أن الاستهزاء بالدين أعظم درجات الكفر وأقوى مراتبه .
ثم قال تعالى :
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
وفيه سؤالان : الأول : أن الحكم المذكور في هذه الآية إما أن يكون مشروطا بما قبل التوبة أو بما بعدها ، والأول باطل لأن الكفر قبل التوبة غير مذكور على الإطلاق ، وحينئذ تضيع هذه الشرائط المذكورة في هذه الآية . والثاني : أيضا باطل لأن الكفر بعد التوبة مغفور ، ولو كان ذلك بعد ألف مرة ، فعلى كلا التقديرين فالسؤال لا زم .
والجواب عنه من وجوه : الأول : أنا لا نحمل قوله
إِنَّ الَّذِينَ
على الاستغراق ، بل نحمله على المعهود السابق ، والمراد به أقوام معينون علم اللَّه تعالى منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه قط فقوله
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
إخبار عن موتهم على الكفر ، وعلى هذا التقدير زال السؤال . الثاني : أن الكلام خرج على الغالب المعتاد ، وهو أن كل من كان كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر لم يكن للإسلام في قلبه وقع ولا عظم ، والظاهر من حال مثل هذا الإنسان أنه يموت على الكفر على ما قررناه . الثالث : أن الحكم المذكور في الآية مشروط بعدم التوبة عن الكفر ، وقول السائل : إن على هذا التقدير تضيع الصفات المذكورة .
قلنا : إن إفرادهم بالذكر يدل على أن كفرهم أفحش وخيانتهم أعظم وعقوبتهم في القيامة أقوى فجرى هذا مجرى قوله
وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ
[ الأحزاب : 7 ] خصهما بالذكر لأجل التشريف ، وكذلك قوله
وَمَلائِكَتِهِ
. . .
وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] .
السؤال الثاني : في قوله
لِيَغْفِرَ لَهُمْ
اللام للتأكيد فقوله
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
يفيد نفي التأكيد ، وهذا غير لائق بهذا الموضع إنما اللائق به تأكيد النفي ، فما الوجه فيه ؟
والجواب : أن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم كان المراد منه المبالغة في تأكيد النفي .
ثم قال تعالى :
وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
قال أصحابنا : هذا يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان خلافا للمعتزلة ، وهم أجابوا عنه بأنه محمول على المنع من زيادة اللطف ، أو على أنه تعالى لا يهديه في الآخرة إلى الجنة .