تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 23 إلى 25 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 25 ) [ في قوله تعالى
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
] اعلم أنه تعالى لما نبّه على عناد القوم بقوله
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
[ آل عمران : 20 ] بيّن في هذه الآية غاية عنادهم ، وهو أنهم يدعون إلى الكتاب الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ، وهو التوراة ثم إنهم يتمردون ، ويتولون ، وذلك يدل على غاية عنادهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ظاهر قوله
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
يتناول كلهم ، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم ، إلا أنه قد دلّ دليل آخر ، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
[ آل عمران : 113 ] . المسألة الثانية : قوله تعالى :
أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
المراد به غير القرآن لأنه أضاف الكتاب إلى الكفار ، وهم اليهود والنصارى ، وإذا كان كذلك وجب حمله على الكتاب الذي كانوا مقرين بأنه حق ، ومن عند اللّه . المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوهاًأحدها : روي عن ابن عباس أن رجلًا وامرأة من اليهود زنيا ، وكانا ذوي شرف ، وكان في كتابهم الرجم ، فكرهوا رجمهما لشرفهما ، فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالرجم فأنكروا ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم ؟ قالوا : عبد اللّه بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة ، فلما أتى / على آية الرجم وضع يده عليها ، فقال ابن سلام : قد جاوز موضعها يا رسول اللّه فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم ، فأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بهما فرجما ، فغضبت اليهود لعنهم اللّه لذلك غضباً شديداً ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . والرواية الثانية : أنه صلى اللّه عليه وسلم دخل مدرسة اليهود ، وكان فيها جماعة منهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا : على أي دين أنت ؟ فقال : على ملة إبراهيم ، فقالوا : إن إبراهيم كان يهودياً فقال صلى اللّه عليه وسلم : هلموا إلى التوراة ، فأبوا ذلك فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . والرواية الثالثة : أن علامات بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم مذكورة في التوراة ، والدلائل الدالة على صحة نبوّته موجودة فيها ، فدعاهم النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى التوراة ، وإلى تلك الآيات الدالة على نبوّته فأبوا ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، والمعنى أنهم إذا أبوا أن يجيبوا إلى التحاكم إلى كتابهم ، فلا تعجب من مخالفتهم كتابك فلذلك قال اللّه تعالى :
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ آل عمران : 93 ] وهذه الآية على هذه الرواية دلّت على أنه وجد في التوراة دلائل صحة نبوّته ، إذ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوّته لسارعوا إلى بيان ما فيها ولكنهم أسروا ذلك .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 178 | فخر الدين الرازي