تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
والرواية الرابعة : أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى ، وذلك لأن دلائل نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل ، وكانوا يدعون إلى حكم التوراة والإنجيل وكانوا يأبون . أما قوله
نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ
فالمراد منه نصيباً من علم الكتاب ، لأنا لو أجريناه على ظاهره فهم أنهم قد أوتوا كل الكتاب والمراد بذلك العلماء منهم وهم الذين يدعون إلى الكتاب ، لأن من لا علم له بذلك لا يدعى إليه . أما قوله تعالى :
يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ
ففيه قولان : القول الأول : وهو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما والحسن أنه القرآن . فإن قيل : كيف دعوا إلى حكم كتاب لا يؤمنون به ؟ . قلنا : إنهم إنما دعوا إليه بعد قيام الحجج الدالة على أنه كتاب من عند اللّه . والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين : إنه التوراة واحتج القائلون به بوجوه الأول : أن الروايات المذكورة في سبب النزول دالة على أن القوم كانوا يدعون إلى التوراة فكانوا يأبون والثاني : أنه تعالى عجب رسوله صلى اللّه عليه وسلم من تمردهم وإعراضهم ، والتعجب إنما يحصل إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون في صحته ، ويقرون بحقيته الثالث : أن هذا هو المناسب لما قبل الآية ، وذلك لأنه تعالى لما بيّن أنه ليس عليه إلا البلاغ ، وصبره على ما قالوه في تكذيبه مع ظهور الحجة بيّن أنهم إنما استعملوا طريق المكابرة في نفس كتابهم الذي أقروا بصحته فستروا / ما فيه من الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهذا يدل على أنهم في غاية التعصب . والبعد عن قبول الحق . وأما قوله
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
فالمعنى : ليحكم الكتاب بينهم ، وإضافة الحكم إلى الكتاب مجاز مشهور ، وقرئ
لِيَحْكُمَ
على البناء للمفعول ، قال صاحب « الكشاف » : وقوله
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
يقتضي أن يكون الاختلاف واقعا فيما بينهم ، لا فيما بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم بيّن اللّه أنهم عند الدعاء يتولى فريق منهم وهم الرؤساء الذين يزعمون أنهم هم العلماء . ثم قال :
وَهُمْ مُعْرِضُونَ
وفيه وجهان : الأول : المتولون هم الرؤساء والعلماء والمعرضون الباقون منهم ، كأنه قيل : ثم يتولى العلماء والأتباع معرضون عن القبول من النبي صلى اللّه عليه وسلم لأجل تولي علمائهم . والثاني : أن المتولي والمعرض هو ذلك الفريق ، والمعنى أنه متولي عن استماع الحجة في ذلك المقام ومعرض عن استماع سائر الحجج في سائر المسائل والمطالب ، كأنه قيل : لا تظن أنه تولى عن هذه المسألة بل هو معرض عن الكل . وأما قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
[ آل عمران : 24 ] فالكلام في تفسيره قد تقدم في سورة البقرة ، ووجه النظم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ
قال في هذه الآية : ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم قالوا : لن تمسنا النار إلا أياماً