تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
معدودات ، قال الجبائي : وفيها دلالة على بطلان قول من يقول : إن أهل النار يخرجون من النار ، قال : لأنه لو صحّ ذلك في هذه الأمة لصح في سائر الأمم ، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك كاذباً ، ولما استحق الذم ، فلما ذكر اللّه تعالى ذلك في معرض الذم علمنا أن القول بخروج أهل النار قول باطل . وأقول : كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام ، وذلك لأن مذهبه أن العفو حسن جائز من اللّه تعالى ، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفو في هذه الأمة حصوله في سائر الأمم . سلمنا أنه يلزم ذلك ، لكن لم قلتم : إن القوم إنما استحقوا الذم على مجرد الإخبار بأن الفاسق يخرج من النار بل هاهنا وجوه أخر الأول : لعلمهم استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسق قصيرة قليلة ، فإنه روي أنهم كانوا يقولون : مدة عذابنا سبعة أيام ، ومنهم من قال : بل أربعون ليلة على قدر مدة عبادة العجل والثاني : أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين ويقولون بتقدير وقوع الخطأ منا فإن عذابنا قليل وهذا خطأ ، لأن عندنا المخطئ في التوحيد والنبوّة والمعاد عذابه دائم ، لأنه كافر ، والكافر عذابه دائم والثالث : أنهم لما قالوا
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
فقد استحقروا تكذيب محمد صلى اللّه عليه وسلم واعتقدوا أنه لا تأثير له في تغليظ / العقاب فكان ذلك تصريحا بتكذيب محمد صلى اللّه عليه وسلم وذلك كفر والكافر المصر على كفره لا شك أن عذابه مخلد ، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ثبت أن احتجاج الجبائي بهذه الآية ضعيف وتمام الكلام على سبيل الاستقصاء مذكور في سورة البقرة . أما قوله تعالى :
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
فاعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله
ما كانُوا يَفْتَرُونَ
فقيل : هو قولهم
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
[ المائدة : 18 ] وقيل : هو قولهم
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
وقيل : غرهم قولهم : نحن على الحق وأنت على الباطل . أما قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ
فالمعنى أنه تعالى لما حكى عنهم اغترارهم بما هم عليه من الجهل بيّن أنه سيجيء يوم يزول فيه ذلك الجهل ، ويكشف فيه ذلك الغرور فقال
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ
وفي الكلام حذف ، والتقدير : فكيف صورتهم وحالهم ويحذف الحال كثيرا مع كيف لدلالته عليها تقول : كنت أكرمه وهو لم يزرني ، فكيف لو زارني أي كيف حاله إذا زارني ، واعلم أن هذا الحذف يوجب مزيد البلاغة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل : لو زارني وكل نوع من أنواع العذاب في هذه الآية . أما قوله تعالى :
إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ
ولم يقل في يوم ، لأن المراد : لجزاء يوم أو لحساب يوم فحذف المضاف ودلّت اللام عليه ، قال الفرّاء : اللام لفعل مضمر إذا قلت : جمعوا ليوم الخميس ، كان المعنى جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس وإذا قلت : جمعوا في يوم الخميس لم تضمر فعلًا وأيضاً فمن المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة وإظهار الفرق بين المثاب والمعاقب ، وقوله
لا رَيْبَ فِيهِ
أي لا شك فيه . ثم قال :
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
فإن حملت ما كسبت على عمل العبد جعل في الكلام حذف ، والتقدير : ووفيت كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب ، وإن حملت ما كسبت على الثواب والعقاب استغنيت عن هذا الإضمار .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 180 | فخر الدين الرازي