يقال أسلمت الشيء لفلان أي أخلصته له ، ولم يشاركه غيره قال : ويعني بالوجه هاهنا العمل كقوله
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ *
[ الكهف : 28 ] أي عبادته ، ويقال : هذا وجه الأمر أي خالص الأمر وإذا قصد الرجل غيره لحاجة يقول : وجهت وجهي إليك ، ويقال للمنهمك في الشيء الذي لا يرجع عنه : مرّ على وجهه الثاني : أسلمت وجهي للّه أي أسلمت وجه عملي للّه ، والمعنى أن كل ما يصدر مني من الأعمال فالوجه في الإتيان بها هو عبودية اللّه تعالى والانقياد لإلهيته وحكمه الثالث : أسلمت وجهي للّه أي أسلمت نفسي للّه وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس للّه فيصير كأنه موقوف على عبادته ، عادل عن كل ما سواه .
وأما قوله
وَمَنِ اتَّبَعَنِ
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : حذف عاصم وحمزة والكسائي ، الياء من اتبعن اجتزاء بالكسر واتباعا للمصحف ، وأثبته الآخرون على الأصل :
المسألة الثانية :
مَنِ
في محل الرفع عطفا على التاء في قوله
أَسْلَمْتُ
أي ومعنى اتبعني أسلم أيضاً .
فإن قيل : لم قال أسلمت ومن اتبعن ، ولم يقل : أسلمت أنا ومن اتبعن .
قلنا : إن الكلام طال بقوله
وَجْهِيَ لِلَّهِ
فصار عوضا من تأكيد الضمير المتصل ، ولو قيل أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقال : أسلمت أنا وزيد ولو قال أسلمت اليوم بانشراح صدر ، ومن جاء معي جاز وحسن .
ثم قال تعالى :
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية متناولة لجميع المخالفين لدين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك لأن منهم من كان من أهل الكتاب ، سواء كان محقا في تلك الدعوى كاليهود والنصارى ، أو كان كاذبا فيه كالمجوس ، ومنهم من لم يكن من أهل الكتاب وهم عبدة الأوثان .
المسألة الثانية : إنما وصف مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين الأول : أنهم لما لم يدعوا الكتاب الإلهي وصفوا بأنهم أميون تشبيها بمن لا يقرأ ولا يكتب والثاني : أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم واللّه أعلم .
المسألة الثالثة : دلّت هذه الآية على أن المراد بقوله
فَإِنْ حَاجُّوكَ
عام في كل الكفار ، لأنه دخل كل من يدعي الكتاب تحت قوله
لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
ودخل من لا كتاب له تحت قوله
الْأُمِّيِّينَ
.
ثم قال اللّه تعالى
أَ أَسْلَمْتُمْ
فهو استفهام في معرض التقرير ، والمقصود منه الأمر قال النحويون : إنما جاء بالأمر في صورة الاستفهام ، لأنه بمنزلته في طلب الفعل والاستدعاء إليه إلا أن في التعبير عن معنى الأمر بلفظ الاستفهام فائدة زائدة ، وهي التعبير بكون المخاطب معاندا بعيدا عن الإنصاف ، لأن المنصف إذا ظهرت له الحجة لم يتوقف بل في الحال يقبل ونظيره قولك لمن لخصت له المسألة في غاية التلخيص والكشف والبيان ؛ هل فهمتها ؟ فإن فيه الإشارة إلى كون المخاطب بليدا قليل الفهم ، وقال اللّه تعالى في آية الخمر
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
[ المائدة : 91 ] وفيه إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه .
ثم قال اللّه تعالى :
فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا
وذلك لأن هذا الإسلام تمسك بما هدي إليه ، والمتمسك