والوجه الثالث : أن يكون نصبا على المدح .
فإن قيل : أليس من حق المدح أن يكون معرفة ، كقولك ، الحمد للّه الحميد .
قلنا : وقد جاء نكرة أيضا ، وأنشد سيبويه :
ويأوي إلى نسوة عطل * وشعثا مراضع مثل السعالي
المسألة الثانية : قوله
قائِماً بِالْقِسْطِ
فيه وجهان الأول : أنه حال من المؤمنين والتقدير : وأولو العلم حال كون كل واحد منهم قائما بالقسط في أداء هذه الشهادة والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من
شَهِدَ اللَّهُ
.
المسألة الثالثة : معنى كونه
قائِماً بِالْقِسْطِ
قائما بالعدل ، كما يقال : فلان قائم بالتدبير ، أي يجريه على الاستقامة .
واعلم أن هذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا ، ومنه ما هو متصل بباب الدين ، أما المتصل بالدين ، فانظر أولا في كيفية خلقة أعضاء الإنسان ، حتى تعرف عدل اللّه تعالى فيها ، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح ، والغنى والفقر والصحة والسقم ، وطول العمر وقصره واللذة والآلام واقطع أن كل ذلك عدل من اللّه وحكمة وصواب ثم انظر في كيفية خلقة العناصر وأجرام الأفلاك ، وتقدير كل واحد منها بقدر معين وخاصية معينة ، واقطع بأن كل ذلك حكمة وصواب ، أما ما يتصل بأمر الدين ، فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل ، والفطانة والبلادة والهداية والغواية ، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط ، ولقد خاض صاحب « الكشاف » هاهنا في التعصب للاعتزال وزعم أن الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وكان ذلك المسكين بعيدا عن معرفة هذه الأشياء إلا أنه فضولي كثيرا الخوض فيما لا يعرف ، وزعم أن الآية دلّت على أن من أجاز الرؤية ، أو ذهب إلى الجبر لم يكن على دين اللّه الذي هو الإسلام ، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئيا لكان جسما ، وما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من غير جامع عقلي قاطع ، فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم من أين وجد ذلك ، وأما حديث الجبر فالخوض فيه من ذلك المسكين خوض فيما لا يعنيه ، لأنه لما اعترف بأن اللّه تعالى عالم بجميع الجزئيات ، واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم اللّه جهلا ، فقد اعترف بهذا الجبر ، فمن أين هو والخوض في أمثال هذه المباحث .
ثم قال اللّه تعالى :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
والفائدة في إعادته وجوه الأول : أن تقدير الآية : شهد اللّه أنه لا إله إلا هو ، وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو ، ونظيره قول من يقول : الدليل دلّ على وحدانية اللّه تعالى ، ومتى كان كذلك صح القول بوحدانية اللّه تعالى الثاني : أنه تعالى لما أخبر أن اللّه شهد أنه لا إله إلا هو وشهدت الملائكة وأولوا العلم بذلك صار التقدير ، كأنه قال : / يا أمة محمد فقولوا أنتم على وفق شهادة اللّه وشهادة الملائكة وأولي العلم لا إله إلا هو فكان الغرض من الإعادة الأمر بذكر هذه الكلمة على وفق تلك الشهادات الثالث : فائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبدا في تكرير هذه الكلمة فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة ، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها وبتكريرها كان مشتغلا بأعظم أنواع