الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
[ الأحزاب : 56 ] ومعلوم أن الصلاة من اللّه غير الصلاة من الملائكة ، ومن الملائكة غير الصلاة من الناس ، مع أنه قد جمعهم في اللفظ .
فإن قيل : المدعي للوحدانية هو اللّه ، فكيف يكون المدعي شاهدا ؟
الجواب : من وجوه الأول : وهو أن الشاهد الحقيقي ليس إلا اللّه ، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده ، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة ، ثم بعد ذلك نصب تلك الدلائل هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل ، ولولا تلك الدلائل التي نصبها اللّه تعالى وهدى إليها لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد ، وإذا كان الأمر كذلك كان الشاهد على الوحدانية ليس إلا اللّه وحده ، ولهذا قال :
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ
[ الأنعام : 19 ] .
الوجه الثاني : في الجواب أنه هو الموجود أزلا وأبدا ، وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدما صرفا ، ونفيا محضا ، والعدم يشبه الغائب ، والموجود يشبه الحاضر ، فكل ما سواه فقد كان غائبا ، وبشهادة الحق صار شاهدا ، فكان الحق شاهدا عل الكل ، فلهذا قال :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
.
الوجه الثالث : أن هذا وإن كان في صورة الشهادة ، إلا أنه في معنى الإقرار ، لأنه لما أخبر أنه لا إله سواه ، كان الكل عبيدا له ، والمولى الكريم لا يليق به أن لا يخل بمصالح العبيد ، فكان هذا الكلام جاريا مجرى الإقرار بأنه يجب وجوب الكريم عليه أن يصلح جهات جميع الخلق .
الوجه الرابع : في الجواب قرأ ابن عباس شهد الله انه لا إله إلا هو بكسر ( إنه ) ثم قرأ أن الدين عند الله الإسلام [ آل عمران : 19 ] بفتح ( أن ) فعلى هذا يكون المعنى : شهد اللّه أن الدين عند اللّه الإسلام ويكون قوله
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
اعتراضا في الكلام ، واعلم أن الجواب لا يعتمد عليه ، أن هذه القراءة غير مقبولة عند العلماء ، وبتقدير ( أن ) تكون مقبولة لكن القراءة الأولى متفق عليها ، فالإشكال الوارد عليها لا يندفع بسبب القراءة الأخرى .
المسألة الثانية : المراد من أولي العلم في هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة ، إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم ، ولذلك
قال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا علمت مثل الشمس فاشهد »
وهذا يدل على أن هذه الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا العلماء الأصول .
أما قوله تعالى :
قائِماً بِالْقِسْطِ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى :
قائِماً بِالْقِسْطِ
منتصب ، وفيه وجوه :
الوجه الأول : نصب على الحال ، ثم فيه وجوه أحدها : التقدير : شهد اللّه قائما بالقسط وثانيها : يجوز أن يكون حالا من هو تقديره : لا إله إلا هو قائما بالقسط ، ويسمى هذا حالا مؤكدة كقولك : أتانا عبد اللّه شجاعا ، وكقولك : لا رجل إلا عبد اللّه شجاعا .
الوجه الثاني : أن يكون صفة المنفي ، كأنه قيل : لا إله قائما بالقسط إلا هو ، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف .