تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
مصدراً ، والفرق بين المفعول له وبين المصدر أن المفعول له غرض للفعل ، وأما المصدر فهو المفعول المطلق الذي أحدثه الفاعل . المسألة الرابعة : قال الأخفش قوله
بَغْياً بَيْنَهُمْ
من صلة قوله
اخْتَلَفَ
والمعنى : وما اختلفوا بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ، وقال غيره : المعنى وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم إلا للبغي بينهم ، فيكون هذا إخباراً عن أنهم إنما اختلفوا للبغي ، وقال القفال : وهذا أجود من الأول ، لأن الأول : يوهم أنهم اختلفوا بسبب ما جاءهم من العلم ، والثاني : يفيد أنهم إنما اختلفوا لأجل الحسد والبغي . ثم قال تعالى :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
وهذا تهديد ، وفيه وجهان : الأول : المعنى فإنه سيصير إلى اللّه تعالى سريعاً فيحاسبه أي يجزيه على كفره والثاني : أن اللّه / تعالى سيعلمه بأعماله ومعاصيه وأنواع كفره بإحصاء سريع مع كثرة الأعمال .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 20 ]

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ، وأنهم أصروا على الكفر مع ذلك بيّن اللّه تعالى للرسول صلى اللّه عليه وسلم ما يقوله في محاجتهم ، فقال :
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ
وفي كيفية إيراد هذا الكلام طريقان : الطريق الأول : أن هذا إعراض عن المحاجة ، وذلك لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مراراً وأطواراً ، فإن هذه السورة مدنية ، وكان قد أظهر لهم المعجزات بالقرآن ، ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها ، وأيضا قد ذكر قبل هذه الآية آيات دالة على صحة دينه ، فأولها : أنه تعالى ذكر الحجة بقوله
الْحَيُّ الْقَيُّومُ
على فساد قول النصارى في إلهية عيسى عليه السلام وبقوله
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
[ آل عمران : 3 ] على صحة النبوّة ، وذكر شبه القوم ، وأجاب عنها بأسرها على ما قررناه فيما تقدم ، ثم ذكر لهم معجزة أخرى ، وهي المعجزات التي شاهدوها يوم بدر على ما بيناه في تفسير قوله تعالى :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا
[ آل عمران : 13 ] ثم بيّن صحة القول بالتوحيد ، ونفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ آل عمران : 18 ] ثم بيّن تعالى أن ذهاب هؤلاء اليهود والنصارى عن الحق ، واختلافهم في الدين ، إنما كان لأجل البغي والحسد ، وذلك ما يحملهم على الانقياد للحق والتأمل في الدلائل لو كانوا مخلصين ، فظهر أنه لم يبق من أسباب إقامة الحجة على فرق الكفار شيء إلا وقد حصل ، فبعد هذا قال :
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ
يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل ، وإيضاح البينات ، فإن تركتم الأنف والحسد ، وتمسكتم بها كنتم أنتم المهتدين ، وإن أعرضتم فإن اللّه تعالى من وراء مجازاتكم ، وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام ، فإن المحق إذا ابتلى بالمبطل اللجوج ، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال ، فقد يقول في آخر الأمر : أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق ، مستسلمون له ، / مقبلون على عبودية اللّه تعالى ، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم ، وإن أعرضتم فإن اللّه بالمرصاد ، فهذا الطريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه .