العطف عنها كما في قوله
هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ
[ الحشر : 24 ] إلا أنه ذكر هاهنا واو العطف وأظن والعلم عند اللّه أن كل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل واللّه أعلم .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 18 ]
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 )
[ في قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ] اعلم أنه تعالى لما مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا
[ آل عمران : 16 ] أردفه بأن بيّن / أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية ، فقال :
شَهِدَ اللَّهُ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن كل ما يتوقف العلم بنبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم على العلم به ، فإنه لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية أما ما يكون كذلك فإنه يجوز إثباته بالدلائل السمعية ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم ، لكن العلم بصحة نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم لا يتوقف على العلم بكون اللّه تعالى واحدا فلا جرم يجوز إثبات كون اللّه تعالى واحدا بمجرد الدلائل السمعية القرآنية .
إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في قوله
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ
قولين :
أحدهما : أن الشهادة من اللّه تعالى ، ومن الملائكة ، ومن أولي العلم بمعنى واحد والثاني : أنه ليس كذلك ، أما القول الأول فيمكن تقريره من وجهين :
الوجه الأول : أن تجعل الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم ، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق اللّه تعالى ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم ، أما من اللّه تعالى فقد أخبر في القرآن عن كونه واحدا لا إليه معه ، وقد بينا أن التمسك بالدلالة السمعية في هذه المسألة جائز ، وأما من الملائكة وأولي العلم فكلهم أخبروا أيضا أن اللّه تعالى واحد لا شريك له ، فثبت على هذا التقرير أن المفهوم من الشهادة معنى واحد في حق اللّه ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم .
الوجه الثاني : أن نجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان ، ثم نقول : إنه تعالى أظهر ذلك وبينه بأن خلق ما يدل على ذلك ، أما الملائكة وأولوا العلم فقد أظهروا ذلك ، وبيّنوه بتقرير الدلائل والبراهين ، أما الملائكة فقد بيّنوا ذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام ، والرسل للعلماء ، والعلماء لعامة الخلق ، فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان ، فالمفهوم الإظهار والبيان فهو مفهوم واحد في حق اللّه سبحانه وتعالى ، وفي حق أولي العلم ، فظهر أن المفهوم من الشهادة واحد على هذين الوجهين ، والمقصود من ذلك كأنه يقول للرسول صلى اللّه عليه وسلم : إن وحدانية اللّه تعالى أمر قد ثبت بشهادة اللّه تعالى ، وشهادة جميع المعتبرين من خلقه ، ومثل هذا الدين المتين والمنهج القويم ، لا يضعف بخلاف بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان ، فاثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك فإنه هو الإسلام والدين عند اللّه هو الإسلام .
القول الثاني : قول من يقول : شهادة اللّه تعالى على توحيده ، عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده ، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ، ولما كان كل واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة ، لم يبعد أن يجمع بين الكل في اللفظ ، ونظيره قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا