تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
والسلام : « إني سألت ربي عز وجل بالأمس شيئا لم يجد لي به : سألته التبعات فأبى علي به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال : إن ربك يقرئك السلام ويقول لك : التبعات ضمنت عوضها من عندي » اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 200 ]

فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ، ويتناشدون فيها الأشعار ، ويتكلمون بالمنثور من الكلام ، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه ، فلما أنعم اللّه عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم ، وروى القفال في « تفسيره » عن ابن عمر قال : طاف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « أما بعد أيها الناس إن اللّه قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على اللّه أو فاجر شقي هين على اللّه ثم تلا
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى
[ الحجرات : 13 ] أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم » وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول : اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة ، عظيم القدر ، كثير المال ، فأعطني مثل ما أعطيته ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . المسألة الثانية : اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس ، فالمراد به الإتمام والفراغ ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الإلزام ، نظير الأول قوله تعالى :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
[ فصلت : 12 ] ،
فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ
[ الجمعة : 10 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « وما فاتكم فاقضوا » ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضى بينهما ، ونظير الثاني قوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ
[ الإسراء : 23 ] وإذا استعمل في الإعلام ، فالمراد أيضا ذلك كقوله :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ
[ الإسراء : 4 ] يعني أعلمناهم . إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ
لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصا وذكر كثير منه قد تقدم من قبل ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد : اذكروا اللّه عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ
كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه ، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ
مشعر بالفراغ والإتمام من الكل ، وهذا مفارق لقول القائل : إذا حججت فقف بعرفات ، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج . المسألة الثالثة : « المناسك » جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك ، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج ، وإن جعلنها جمع منسك الذي هو موضع العبادة ، كان التقدير : فإذا قضيتم أعمال مناسككم ، فيكون من باب حذف المضاف .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 333 | فخر الدين الرازي