الذكر ، فصح أن يسمى الشكر ذكرا ، والدليل على أن الذكر الثاني هو الشكر أنه علقه بالهداية ، فقال :
كَما هَداكُمْ
والذكر المرتب على النعمة ليس إلا الشكر وثامنها : أنه تعالى لما قال
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
جاز أن يظن أن الذكر مختص بهذه البقعة وبهذه العبادة ، يعني الحج فأزال اللّه تعالى هذه الشبهة فقال
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
يعني اذكروه على كل حال ، وفي كل مكان ، لأن هذا الذكر إنما وجب شكرا على هدايته ، فلما كانت نعمة الهداية متواصلة غير منقطعة ، فكذلك الشكر يجب أن يكون مستمرا غير منقطع وتاسعها : أن قوله :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
المراد منه الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء هناك ، ثم قوله :
وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ
والمراد منه التهليل والتسبيح .
السؤال الثاني : ما المراد من الهداية في قوله :
كَما هَداكُمْ
؟
الجواب : منهم من قال : إنها خاصة ، والمراد منه كما هداكم بأن ردكم في مناسك حجكم إلى سنة إبراهيم عليه السلام ، ومنهم من قال لا بل هي عامة متناولة لكل أنواع الهداية في معرفة اللّه تعالى ، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وشرائعه .
السؤال الثالث : الضمير في قوله :
مِنْ قَبْلِهِ
إلى ما ذا يعود ؟ .
الجواب : يحتمل أن يكون راجعا إلى
الْهَدْيِ
والتقدير : وإن كنتم من قبل أن هداكم من الضالين ، وقال بعضهم : إنه راجع إلى القرآن ، والتقدير : واذكروه كما هداكم بكتابه الذي بين لكم معالم دينه ، وإن كنتم من قبل إنزاله ذلك عليكم من الضالين .
أما قوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ
فقال القفال رحمة اللّه عليه : فيه وجهان أحدهما : وما كنتم من قبله إلا الضالين والثاني : قد كنتم من قبله من الضالين ، وهو كقوله :
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
[ الطارق : 4 ] وقوله :
وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
[ الشعراء 186 ] .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 199 ]
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 )
[ في قوله تعالى ثم أفيضوا ] فيه قولان الأول : المراد به الإفاضة من عرفات ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس ، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه أحدها : أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى وثانيها : أنهم كانوا يترفعون على الناس ويقولون : نحن أهل اللّه فلا نحل حرم اللّه وثالثها : أنهم كانوا لو سلموا أن الموقف هو عرفات لا الحرم ، لكان ذلك يوهم نقصا في الحرم ثم ذلك النقص كان يعود إليهم ، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية أمرا لهم بأن يقفوا في عرفات ، وأن يفيضوا منها كما تفعله سائر الناس ،
وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر أميرا في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات ، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب ، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر اللّه إلى عرفات ووقف بها ، وأمر سائر الناس بالوقوف بها ،
وعلى هذا التأويل فقوله :
مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات ، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية الإضافة من عرفات من يقول قوله :
ثُمَّ أَفِيضُوا
أمر عام لكل الناس ، وقوله : /
مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ