تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات ، وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ، ويخالف الحمس ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدي به ، وهو كقوله تعالى :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
[ آل عمران : 173 ] يعني نعيم بن مسعود
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
[ آل عمران : 173 ] يعني أبا سفيان ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور ، ومنه قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
[ القدر : 1 ] وفي الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه اللّه ، وهو أن يكون قوله :
مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال : هذا مما فعله الناس قديما ، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال : المراد من هذه الإفاضة من عرفات . القول الثاني : وهو اختيار الضحاك : أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله :
مِنْ حَيْثُ أَفاضَ
المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما ، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس ، فاللّه تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من القولين إشكالا : أما الإشكال على القول الأول : فهو أن قوله تعالى :
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
[ البقرة : 198 ] لمكان
ثُمَّ
فإنها توجب الترتيب ، ولو كان المراد من هذه الآية : الإفاضة من عرفات ، مع أنه معطوف على قوله
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
كان هذا عطفا للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية : فإذا أفضتم من عرفات ، ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الآية متقدمة على ما قبلها ، والتقدير : فاتقون يا أولي الألباب ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا اللّه إن اللّه غفور رحيم ، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا اللّه ، وعلى هذا الترتيب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها . قلنا : هذا وإن كان محتملا إلا أن الأصل عدمه ، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه . وأما الإشكال على القول الثاني : فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ
مِنْ حَيْثُ
في قوله :
مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
على الزمان ، وذلك غير جائز ، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان . أجاب القائلون بالقول الأول : عن ذلك السؤال بأن
ثُمَّ
هاهنا على مثال ما في قوله تعالى : /
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ
إلى قوله :
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 13 - 17 ] أي كان مع هذا من المؤمنين ، ويقول الرجل لغيره : قد أعطيتك اليوم كذا وكذا ، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة
ثُمَّ
هاهنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر ، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه .