تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وأجاب القائلون بالقول الثاني : بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جدا فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملا في الآخر على سبيل المجاز . أما قوله :
مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
فقد ذكرنا أن المراد من الناس إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وأتباعهما ، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري . أن المراد بالناس في هذه الآية : آدم عليه السلام ، واحتج بقراءة سعيد بن جبير
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ
وقال : هو آدم نسي ما عهد إليه ، ويروى أنه قرأ الناس بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء ، والمعنى : أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه . أما قوله تعالى :
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ
فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب ، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة اللّه ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد ، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات اللّه تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما ، وأما الاستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب . فإن قيل : كيف أمر بالاستغفار مطلقا ، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار . والجواب : أنه إن كان مذنبا فالاستغفار واجب ، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات ، والاحتراز عن المحظورات ، وجب عليه الاستغفار أيضا تداركا لذلك الخلل المجوز ، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه البتة خلل في شيء من الطاعات ، فهذا كالممتنع في حق البشر ، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد ، فكيف في أعمال كل العمر ، إلا أن بتقدير إمكانه فالاستغفار أيضا واجب ، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق ، ولهذا قالت الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، فكان الاستغفار لازما من هذه الجهة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » . وأما قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
قد علمت أن غفورا يفيد المبالغة ، وكذا الرحيم ، ثم في الآية مسألتان : المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب ، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالاستغفار ، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمة ، فهذا يدل قطعا على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر ، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه . المسألة الثانية : اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون : إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع ، وقال آخرون : إنها عند الدفع من الجمع إلى منى ، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله :
ثُمَّ أَفِيضُوا
على أي الأمرين يحمل ؟ قال القفال رحمه اللّه : ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر ، قال : خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عشية يوم عرفة فقال : « يا أيها الناس إن اللّه عز وجل يطلع عليكم في مقامكم هذا ، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم اللّه » فقال أصحابه : يا رسول اللّه أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا ، فقال عليه الصلاة