إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر / فقال :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
[ الشعراء : 78 ] ثم قال :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
فقدم الذكر على الدعاء .
إذا عرفت هذا فنقول : بين اللّه تعالى أن الذين يدعون اللّه فريقان أحدهما : أن يكون دعاؤهم مقصورا على طلب الدنيا والثاني : الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة ، وقد كان في التقسيم قسم ثالث ، وهو من يكون دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة ، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا ؟ والأكثرون على أنه غير مشروع ، وذلك أن الإنسان خلق محتاجا ضعيفا لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة ، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة ،
روى القفال في « تفسيره » عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض ، فقال : ما كنت تدعوا اللّه به قبل هذا قال : كنت أقول . اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا ، فقال النبي عليه السلام : « سبحان اللّه إنك لا تطيق ذلك ألا قلت
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
[ الشعراء : 83 ] » قال فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فشفي .
واعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن ، أو على منبت شعرة واحدة ، لشوش الأمر على الإنسان وصار بسببه محروما عن طاعة اللّه تعالى وعن الاشتغال بذكره ، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة اللّه تعالى في أولاه وعقباه ، فثبت أن الاقتصار في الدعاء على طلب الآخرة غير جائز ، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين ، وأهمل هذا القسم الثالث .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن الذين حكى اللّه عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم ؟
فقال قوم : هم الكفار ، روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم أرزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء ، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة ، وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والمعاد ، وعن أنس كانوا يقولون : اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر ، فأخبر اللّه تعالى أن من كان من هذا الفريق فلا خلاق له في الآخرة ، أي لا نصيب له فيها من كرامة ونعيم وثواب ، نقل عن الشيخ أبي علي الدقاق رحمه اللّه أنه قال : أهل النار يستغيثون ثم يقولون : أفيضوا علينا من الماء ، أو مما رزقكم اللّه في الدنيا ، طلبا للمأكول والمشروب ، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة ، وقال آخرون : هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون اللّه لدنياهم ، لا لأخراهم ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب حيث سألوا اللّه تعالى في أعظم المواقف ، وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها الفاني ، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة ، وقد يقال لمن فعل ذلك إنه لا خلاق له في الآخرة ، وإن كان الفاعل مسلما ، كما روى في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
[ آل عمران : 77 ] أنها نزلت فيمن أخذ مالا بيمين فاجرة ،
روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، « إن اللّه يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم /
ثم معنى ذلك على وجوه أحدها : أنه لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب والثاني : لا خلاق له في الآخرة إلا أن يعفو اللّه عنه والثالث : لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل اللّه لآخرته ، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالا بيمين فاجرة كخلاق من تورع عن ذلك واللّه أعلم .
المسألة الثالثة : قوله تعالى :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا
حذف مفعول
آتِنا
من الكلام لأنه كالمعلوم ، واعلم أن مراتب السعادات ثلاث : روحانية ، وبدنية ، وخارجية أما الروحانية فاثنان : تكميل القوة النظرية بالعلم ، وتكميل القوة العلمية بالأخلاق الفاضلة ، وأما البدنية فاثنان : الصحة والجمال ، وأما الخارجية فاثنان : المال ،