وذلك أن قريشا وقوما آخرين سموا أنفسهم بالحمس ، وهم أهل الشدة في دينهم ، والحماسة الشدة يقال : رجل أحمس وقوم حمس ، ثم إن هؤلاء كانوا لا يقفون في عرفات ، ويقولون لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس ، والذي يقفون بمزدلفة يفيضون إذا طلعت الشمس ، ويقولون : أشرق ثبير كيما نغير ، ومعناه : أشرق يا ثبير بالشمس كيما نندفع من مزدلفة فيدخلون في غور من الأرض ، وهو المنخفض منها ، وذلك أنهم جاوزوا المزدلفة وصاروا في غور من الأرض ، فأمر اللّه تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام بمخالفة القوم في الدفعتين ، وأمره بأن يفيض من عرفة بعد غروب الشمس ، وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، والآية لا دلالة فيها على ذلك ، بل السنة دلت على هذه الأحكام .
المسألة السادسة : الصحيح أن الآية تدل على أن الحصول بعرفة واجب في الحج ، وذلك أن الآية دالة على وجوب ذكر اللّه عند المشعر الحرام عند الإفاضة من عرفات ، والإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج ، فإذا لم يأت به فلم يكن آتيا بالحج المأمور به ، فوجب أن لا يخرج عن العهدة وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطا أقصى ما في الباب أن الحج يحصل عند ترك بعض المأمورات إلا أن الأصل ما ذكرناه ، وإنما يعدل عنه بدليل منفصل وذهب كثير من العلماء إلى أن الآية لا دلالة فيها على أن الوقوف شرط ونقل عن الحسن أن الوقوف بعرفة واجب ، إلا أنه إن فاته ذلك قام الوقوف بجميع الحرم مقامه ، وسائر الفقهاء أنكروا ذلك واتفقوا على أن الحج لا يحصل إلا بالوقوف بعرفة .
المسألة السابعة : قوله :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
يدل أن الحصول عند المشعر الحرام واجب ويكفي فيه المرور به كما في عرفة ، فأما الوقوف هناك فمسنون ، وروي عن علقمة / والنخعي أنهما قالا :
الوقوف بالمزدلفة ركن بمنزلة الوقوف بعرفة وحجتهما قوله تعالى :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
وذلك لأن الوقوف بعرفة لا ذكر له صريحا في الكتاب وإنما وجب بإشارة الآية أو بالسنة ، والمشعر الحرام فيه أمر جزم ، وقال جمهور الفقهاء : إنه ليس بركن ، واحتجوا
بقوله عليه السلام : « الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه »
و
بقوله : « من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته الحج »
قالوا :
وفي الآية إشارة إلى ما قلنا لأن اللّه تعالى قال :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
أمر بالذكر لا بالوقوف ، فعلم أن الوقوف عند المشعر الحرام تبع للذكر ، وليس بأصل ، وأما الوقوف بعرفة فهو أصل لأنه قال :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
ولم يقل من الذكر بعرفات .
المسألة الثامنة :
الْمَشْعَرِ
المعلم وأصله من قولك : شعرت بالشيء إذا علمته ، وليت شعري ما فعل فلان ، أي ليت علمي بلغه وأحاط به ، وشعار الشيء أعلامه ، فسمى اللّه تعالى ذلك الموضع بالمشعر الحرام ، لأنه معلم من معالم الحج ، ثم اختلفوا فقال قائلون : المشعر الحرام هو المزدلفة ، وسماها اللّه تعالى بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده ، هكذا قاله الواحدي في « البسيط » قال صاحب « الكشاف » : الأصح أنه قزح ، وهو آخر حد المزدلفة والأول أقرب لأن الفاء في قوله :
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات ، وما ذاك إلا بالبيتوتة بالمزدلفة .