عبد الحميد بن يزيد وهو مجهول كما قال العراقي . ( واحتج القائلون ) بوجوب العمل بالظن
والتحري ، إما مطلقا أو لمن كان مبتلي بالشك بحديث ابن مسعود الآتي لما فيه من الامر
لمن شك بأن يتحرى الصواب ، وأجاب عنهم القائلون بوجوب البناء على الأقل بأن التحري
هو القصد . ومنه قوله تعالى : * ( فأولئك تحروا رشدا ) * ( الجن : 14 ) فمعنى الحديث فليقصد الصواب فيعمل
به ، وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره ، وقد قدمنا طرفا من الخلاف في
كون التحري والبناء على اليقين شيئا واحدا أم لا . وفي القاموس : أن التحري التعمد
وطلب ما هو أحرى بالاستعمال ، قال النووي : فإن قالت الحنفية : حديث أبي سعيد لا يخالف
ما قلنا لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه ، ومن شك ولم يترجح له أحد الطريقين
يبني على الأقل بالاجماع ، بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعا مثلا ، فالجواب أن
تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين ، وأما في اللغة
فالتردد بين وجود الشئ وعدمه كله يسمى شكا ، سواء المستوي والراجح والمرجوح ،
والحديث يحمل على اللغة ، ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية ، ولا يجوز حمله على ما
يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح انتهى . والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث
البناء على الأقل والبناء على اليقين وتحري الصواب ، وذلك لأن التحري في اللغة كما عرفت
هو طلب ما أحرى إلى الصواب ، وقد أمر به صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمر بالبناء
على اليقين والبناء على الأقل عند عروض الشك ، فإن أمكن الخروج بالتحري عن
دائرة الشك لغة ، ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه فعل من الصلاة كذا ركعات ، فلا شك
أنه مقدم على البناء على الأقل ، لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقل عدم
الدراية ، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف ، وهذا المتحري قد حصلت له الدراية ، وأمر
الشاك بالبناء على ما استيقن كما في حديث أبي سعيد ، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى
على ما استيقن ، وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة ، وأن التحري المذكور
مقدم على البناء على الأقل ، وقد أوقع الناس ظن التعارض بين هذه الأحاديث في
مضايق ليس عليها أثارة من علم ، كالفرق بين المبتدأ والمبتلى والركن والركعة . قوله
في حديث الباب : قبل أن يسلم استدل به القائلون بمشروعية سجود السهو قبل السلام ،
نيل الأوطار — صفحة 141
مساهمون: الشوكاني
ص١٤١