تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
في نوعين : الأعمال التي يأتي بها العبد ، والآثار المتفرعة على تلك الأعمال : أما الأعمال التي يأتي بها العبد فلها ركنان : أحدهما : إتيانه بالعبادة وإليه الإشارة بقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
. والثاني : علمه بأن لا يمكنه الإتيان بها إلا بإعانة اللّه وإليه الإشارة بقوله :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وهاهنا ينفتح البحر الواسع في الجبر والقدر ، وأما الآثار المتفرعة على تلك الأعمال فهي حصول الهداية والانكشاف والتجلي ، وإليه الإشارة بقوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
ثم إن أهل العالم ثلاث طوائف : الطائفة الأولى : الكاملون المحقون المخلصون ، وهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته ، ومعرفة الخير لأجل العمل به ، وإليهم الإشارة بقوله :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
. والطائفة الثانية : الذين أخلوا بالأعمال الصالحة ، وهم الفسقة وإليهم الإشارة بقوله :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
. والطائفة الثالثة : الذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة ، وهم أهل البدع والكفر ، وإليهم الإشارة بقوله :
وَلَا الضَّالِّينَ
. إذا عرفت هذا فنقول : استكمال النفس الإنسانية بالمعارف والعلوم على قسمين : أحدهما : أن يحاول تحصيلها بالفكر والنظر والاستدلال ، والثاني : أن تصل إليه محصولات المتقدمين فتستكمل نفسه ، وقوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
إشارة إلى القسم الأول ، وقوله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
إشارة إلى القسم الثاني ، ثم في هذا القسم طلب أن يكون اقتداؤه بأنوار عقول الطائفة المحقة الذين جمعوا بين العقائد الصحيحة والأعمال الصائبة ، وتبرأ من أن يكون اقتداؤه بطائفة الذين أخلوا بالأعمال الصحيحة ، وهم المغضوب عليهم ، أو بطائفة الذين أخلوا بالعقائد الصحيحة ، وهم الضالون ، وهذا آخر السورة ، وعند الوقوف على ما لخصناه يظهر أن هذه السورة جامعة لجميع المقامات المعتبرة في معرفة الربوبية ومعرفة العبودية .

الفصل الرابع قسمة اللّه للصلاة بينه وبين عباده :

قال عليه السلام حكاية عن اللّه تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد بسم اللّه الرحمن الرحيم يقول اللّه تعالى ذكرني عبدي ، وإذا قال الحمد للّه رب العالمين يقول اللّه حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم يقول اللّه عظمني عبدي ، وإذا قال مالك يوم الدين يقول اللّه مجدني عبدي ، وفي رواية أخرى فوض إلي عبدي ، وإذا قال إياك نعبد يقول اللّه عبدني عبدي ، وإذا قال وإياك نستعين يقول اللّه تعالى توكل علي عبدي ، وفي رواية أخرى فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول اللّه تعالى هذا بيني وبين عبدي ، وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول اللّه هذا لعبدي ولعبدي ما سأل . فوائد هذا الحديث : الفائدة الأولى : قوله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين يدل على أن مدار الشرائع على رعاية مصالح الخلق ، كما قال تعالى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] وذلك لأن أهم المهمات للعبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية ، ثم بمعرفة العبودية ، لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد ، كما قال :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] وقال :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً
[ الإنسان : 2 ] وقال :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي