تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
ورابعها : قوله :
وَاعْفُ عَنَّا
لأنك أنت المالك للقضاء والحكومة في يوم الدين ، وهو قوله مالك يوم الدين . وخامسها : قوله تعالى :
وَاغْفِرْ لَنا
لأنا في الدنيا عبدناك واستعنا بك في كل المهمات ، وهو قوله إياك نعبد وإياك نستعين . وسادسها : قوله :
وَارْحَمْنا
لأنا طلبنا الهداية منك في قولنا : اهدنا الصراط المستقيم . وسابعها : قوله :
أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
[ البقرة : 286 ] وهو المراد من قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين . فهذه المراتب السبع المذكورة في آخر سورة البقرة ذكرها محمد عليه الصلاة والسلام في عالم الروحانيات عند صعوده إلى المعراج ، فلما نزل من المعراج فاض أثر المصدر على المظهر فوقع التعبير عنها بسورة الفاتحة ، فمن قرأها في صلاته صعدت هذه الأنوار من المظهر إلى المصدر كما نزلت هذه الأنوار في عهد محمد عليه الصلاة والسلام من المصدر إلى المظهر ، فلهذا السبب قال عليه السلام : « الصلاة معراج المؤمن » .

الفصل الثاني في مداخل الشيطان :

مداخل الشيطان : اعلم أن المداخل التي يأتي الشيطان من قبلها في الأصل ثلاثة : الشهوة ، والغضب ، والهوى ، فالشهوة بهيمية ، والغضب سبعية ، والهوى شيطانية : فالشهوة آفة لكن الغضب أعظم منه ، والغضب آفة لكن الهوى أعظم منه ، فقوله تعالى :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ
المراد آثار الشهوة ، وقوله :
وَالْمُنْكَرِ
المراد منه آثار الغضب ، وقوله : والبغي [ العنكبوت : 45 ] المراد منه آثار الهوى فبالشهوة يصير الإنسان ظالماً لنفسه ، وبالغضب يصير ظالماً لغيره ، وبالهوى يتعدى ظلمه إلى حضرة جلال اللّه تعالى ، ولهذا قال عليه السلام : الظلم ثلاثة : فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك وظلم عسى اللّه أن يتركه . فالظلم الذي لا يغفر هو الشرك باللّه ، والظلم الذي لا يترك هو ظلم العباد بعضهم بعضاً ، والظلم الذي عسى اللّه أن يتركه هو ظلم الإنسان نفسه ، فمنشأ الظلم الذي لا يغفر هو الهوى . ومنشأ الظلم الذي لا يترك هو الغضب ، ومنشأ الظلم الذي عسى اللّه أن يتركه هو الشهوة ، ثم لها نتائج ، فالحرص والبخل نتيجة الشهوة ، والعجب والكبر نتيجة الغضب ، والكفر والبدعة نتيجة الهوى ، فإذا اجتمعت هذه الستة في بني آدم تولد منها سابع - وهو الحسد - وهو نهاية الأخلاق الذميمة . كما أن الشيطان هو النهاية في الأشخاص المذمومة ، ولهذا السبب ختم اللّه مجامع الشرور الإنسانية بالحسد ، وهو قوله :
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
[ الفلق : 5 ] كما ختم مجامع الخبائث الشيطانية بالوسوسة وهو قوله :
يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
[ الناس : 5 ، 6 ] فليس في بني آدم أشر من الحسد كما أنه ليس في الشياطين أشر من الوسواس ، بل قيل : الحاسد أشر من إبليس ، لأن إبليس روي أنه أتى باب فرعون وقرع الباب