فقال فرعون / من هذا ؟ فقال إبليس : لو كنت إلهاً لما جهلتني ، فلما دخل قال فرعون : أتعرف في الأرض شرًّا مني ومنك ، قال : نعم ، الحاسد ، وبالحسد وقعت في هذه المحنة .
إذا عرفت هذا فنقول : أصول الأخلاق القبيحة هي تلك الثلاثة ، والأولاد والنتائج هي هذه السبعة المذكورة فأنزل اللّه تعالى سورة الفاتحة وهي سبع آيات لحسم هذه الآفات السبع وأيضاً أصل سورة الفاتحة هو التسمية ، وفيها الأسماء الثلاثة ، وهي في مقابلة تلك الأخلاق الأصلية الفاسدة ، فالأسماء الثلاثة الأصلية في مقابلة الأخلاق الثلاثة الأصلية ، والآيات السبع ( التي هي الفاتحة ) في مقابلة الأخلاق السبعة ، ثم إن جملة القرآن كالنتائج والشعب من الفاتحة ، وكذا جميع الأخلاق الذميمة كالنتائج والشعب من تلك السبعة ، فلا جرم القرآن كله كالعلاج لجميع الأخلاق الذميمة .
أما بيان أن الأمهات الثلاثة في مقابلة الأمهات الثلاثة فنقول : إن من عرف اللّه وعرف أنه لا إله إلا اللّه تباعد عنه الشيطان والهوى ، لأن الهوى إله سوى اللّه يعبد ، بدليل قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الجاثية : 23 ] وقال تعالى لموسى : يا موسى ، خالف هواك فإني ما خلقت خلقاً نازعني في ملكي إلا الهوى ، ومن عرف أنه رحمن لا يغضب ، لأن منشأ الغضب طلب الولاية ، والولاية للرحمن لقوله تعالى :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ
[ الفرقان : 26 ] ومن عرف أنه رحيم وجب أنه يتشبه به في كونه رحيماً وإذا صار رحيماً لم يظلم نفسه ، ولم يلطخها بالأفعال البهيمية .
وأما الأولاد السبعة فهي مقابلة الآيات السبع ، وقبل أن نخوض في بيان تلك المعارضة نذكر دقيقة أخرى ، وهي أنه تعالى ذكر أن تلك الأسماء الثلاثة المذكورة في التسمية في نفس السورة ، وذكر معها اسمين آخرين : وهما الرب ، والمالك ، فالرب قريب من الرحيم ، لقوله :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] والمالك قريب من الرحمن ، لقوله تعالى :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ
فحصلت هذه الأسماء الثلاثة : الرب والملك ، والإله ، فلهذا السبب ختم اللّه آخر سورة القرآن عليها ، والتقدير كأنه قيل : إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل :
أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
وإن أتاك من قبل الغضب فقل :
مَلِكِ النَّاسِ
وإن أتاك من قبل الهوى فقل :
إِلهِ النَّاسِ
[ الناس : 1 - 3 ] .
ولنرجع إلى بيان معارضة تلك السبعة فنقول : من قال الحمد للّه فقد شكر اللّه ، واكتفى بالحاصل ، فزالت شهوته ، ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد ، وبخله فيما وجد فاندفعت عنه آفة الشهوة ولذاتها ، ومن عرف أنه مالك يوم الدين بعد أن عرف أنه الرحمن الرحيم زال غضبه ، ومن قال إياك نعبد وإياك نستعين زال كبره بالأول وعجبه بالثاني ، فاندفعت / عنه آفة الغضب بولديها ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم اندفع عنه شيطان الهوى ، وإذا قال صراط الذين أنعمت عليهم زال عنه كفره وشبهته ، وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين اندفعت عنه بدعته ، فثبت أن هذه الآيات السبع دافعة لتلك الأخلاق القبيحة السبعة .