تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨

الفصل الثالث في تقرير أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يحتاج الإنسان إليه في معرفة المبدأ والوسط والمعاد

جمع الفاتحة لكل ما يحتاج إليه : اعلم أن قوله الحمد للّه إشارة إلى إثبات الصانع المختار ، وتقريره : أن المعتمد في إثبات الصانع في القرآن هو الاستدلال بخلقة الإنسان على ذلك ، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال :
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
[ البقرة : 258 ] ، وقال في موضع آخر :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
[ الشعراء : 78 ] ، وقال موسى عليه السلام :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
[ طه : 50 ] ، وقال في موضع آخر :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ *
[ الشعراء : 26 ] ، وقال تعالى في أول سورة البقرة :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[ البقرة : 21 ] وقال في أول ما أنزله على محمد عليه السلام :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
[ العلق : 1 ، 2 ] فهذه الآيات الست تدل على أنه تعالى استدل بخلق الإنسان على وجود الصانع تعالى ، وإذا تأملت في القرآن وجدت هذا النوع من الاستدلال فيه كثيراً جداً . واعلم أن هذا الدليل كما أنه في نفسه هو دليل فكذلك هو نفسه إنعام عظيم ، فهذه الحالة من حيث إنها تعرف العبد وجود الإله دليل ، ومن حيث أنها نفع عظيم وصل من اللّه إلى العبد إنعام ، فلا جرم هو دليل من وجه ، وإنعام من وجه ، والإنعام متى وقع بقصد الفاعل إلى إيقاعه إنعاماً كان يستحق هو الحمد ، وحدوث بدن الإنسان أيضاً كذلك ، وذلك لأن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور والإشكال من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع ، فحدوث هذه الأعضاء المختلفة يدل على وجود صانع عالم بالمعلومات قادر على كل المقدورات قصد بحكم رحمته وإحسانه خلق هذه الأعضاء على الوجه المطابق لمصالحنا الموافق لمنافعنا ، ومتى كان الأمر كذلك كان مستحقاً للحمد والثناء ، فقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يدل على وجود الصانع ، وعلى علمه وقدرته ، ورحمته ، وكمال حكمته وعلى كونه مستحقاً للحمد والثناء والتعظيم ، فكان قوله الحمد للّه دالًا على جملة هذه المعاني ، وأما قوله :
رَبِّ الْعالَمِينَ
فهو يدل على أن ذلك الإله واحد ، وأن كل العالمين ملكه وملكه ، / وليس في العالم إله سواه ، ولا معبود غيره ، وأما قوله :
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
فيدل على أن الإله الواحد الذي لا إله سواه موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان قبل الموت وعند الموت وبعد الموت ، وأما قوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
فيدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يحصل بعد هذا اليوم يوم آخر يظهر فيه تمييز المحسن عن المسئ ، ويظهر فيه الانتصاف للمظلومين من الظالمين ، ولو لم يحصل هذا البعث والحشر لقدح ذلك في كونه رحماناً رحيماً ، إذا عرفت هذا ظهر أن قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يدل على وجود الصانع المختار ، وقوله :
رَبِّ الْعالَمِينَ
يدل على وحدانيته ، وقوله :
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يدل على رحمته في الدنيا والآخرة ، وقوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
يدل على كمال حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة ، وإلى هاهنا تم ما يحتاج إليه في معرفة الربوبية . أما قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
- إلى آخر السورة فهو إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية ، وهي محصورة
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 228 | فخر الدين الرازي