الجبر والقدر ، فإن قوله إياك نعبد معناه إخبار العبد عن إقدامه على عمل الطاعة والعبادة . ثم جاء بحث الجبر والقدر : وهو أنه مستقل بالإتيان بذلك العمل أو غير مستقل به ، والحق أنه غير مستقل به ، وذلك لأن قدرة العبد إما أن تكون صالحة للفعل والترك ، وإما أن لا تكون كذلك : فإن كان الحق هو الأول امتنع أن تصير تلك القدرة مصدراً للفعل دون الترك إلا لمرجح ، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد البحث فيه ، وإن لم يكن من العبد فهو من اللّه تعالى فخلق تلك الداعية الخالصة عن المعارض هو الإعانة ، وهو المراد من قوله إياك نستعين ، وهو المراد من قولنا :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
، أي : لا تخلق في قلوبنا داعية تدعونا إلى العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة ، وهب لنا من لدنك رحمة ، وهذه الرحمة خلق الداعية التي تدعونا إلى الأعمال الصالحة والعقائد الحقة ، فهذا هو المراد من الإعانة والاستعانة ، وكل من لم يقل بهذا القول لم يفهم البتة معنى قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وإذا ثبت هذا ظهر صحة
قوله تعالى : هذا بيني وبين عبدي ،
أما الذي منه فهو خلق الداعية الجازمة ، وأما الذي من العبد فهو أن عند حصول مجموع القدرة والداعية يصدر الأثر عنه ، وهذا كلام دقيق لا بد من التأمل فيه .
وأما
قوله : « وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم يقول اللّه تعالى هذا لعبدي ولعبدي ما سأل »
وتقريره أنا نرى أهل العالم مختلفين في النفي والإثبات في جميع المسائل الإلهية ، وفي جميع مسائل النبوات ، وفي جميع مسائل المعاد ، والشبهات غالبة ، والظلمات مستولية ، ولم يصل إلى كنه الحق إلا القليل القليل من الكثير الكثير ، وقد حصلت هذه الحالة مع استواء الكل في العقول والأفكار والبحث الكثير والتأمل الشديد ، فلولا هداية اللّه تعالى وإعانته وأنه يزين الحق في عين عقل الطالب ويقبح الباطل في عينه كما قال :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ
[ الحجرات : 7 ] وإلا لامتنع وصول أحد إلى الحق ، فقوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
إشارة إلى هذه الحالة ، ويدل عليه أيضاً أن المبطل لا يرضى بالباطل ، وإنما طلب الاعتقاد الحق والدين المتين والقول الصحيح ، فلو كان الأمر باختياره لوجب أن لا يقع أحد في الخطأ ، ولما رأينا الأكثرين غرقوا في بحر الضلالات / علمنا أن الوصول إلى الحق ليس إلا بهداية اللّه تعالى ، ومما يقوي ذلك أن كل الملائكة والأنبياء أطبقوا على ذلك ، أما الملائكة فقالوا :
سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
[ البقرة : 32 ] وقال آدم عليه السلام :
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ الأعراف : 23 ] وقال إبراهيم عليه السلام :
لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
[ الأنعام : 77 ] وقال يوسف عليه السلام :
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
[ يوسف : 101 ] وقال موسى عليه السلام :
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
[ طه : 25 ] - الآية وقال محمد عليه السلام :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
[ آل عمران : 8 ] فهذا هو الكلام في لطائف هذا الخبر والذي تركناه أكثر مما ذكرناه .
الفائدة الرابعة : من فوائد هذا الخبر أن آيات الفاتحة سبع ، والأعمال المحسوسة أيضاً في الصلاة سبعة ، وهي : القيام ، والركوع ، والانتصاب ، والسجود الأول ، والانتصاب فيه ، والسجود الثاني والقعدة ، فصار عدد آيات الفاتحة مساوياً لعدد هذه الأعمال ، فصارت هذه الأعمال كالشخص ، والفاتحة لها كالروح ، والكمال إنما يحصل عند اتصال الروح بالجسد ، فقوله :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
بإزاء القيام ، ألا ترى أن الباء في بسم