وهم الفساق ، ويحمل الضالون على كل من أخطأ في الاعتقاد لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل ، ويحتمل أن يقال : المغضوب عليهم هم الكفار ، والضالون هم المنافقون ، وذلك لأنه تعالى بدأ بذكر المؤمنين والثناء عليهم في خمس آيات من أول البقرة ، ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ البقرة : 6 ] ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا
[ البقرة : 8 ] فكذا هاهنا بدأ بذكر المؤمنين وهو قوله :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
ثم أتبعه بذكر الكفار وهو قوله :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
ثم أتبعه بذكر المنافقين وهو قوله :
وَلَا الضَّالِّينَ
.
الفائدة الثانية : لما حكم اللّه عليهم بكونهم ضالين امتنع كونهم مؤمنين ، وإلا لزم انقلاب خبر اللّه الصدق كذباً ، وذلك محال ، والمفضي إلى المحال محال .
الفائدة الثالثة : [ عصمة الأنبياء والأولياء ] قوله :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
يدل على أن أحداً من الملائكة والأنبياء عليهم السلام ما أقدم على عمل يخالف قول الذين أنعم اللّه عليهم ، ولا على اعتقاد الذين أنعم اللّه عليهم ، لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق ، لقوله تعالى :
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
[ يونس : 32 ] ولو كانوا ضالين لما جاز الاقتداء بهم ، ولا الاهتداء بطريقهم ، ولكانوا خارجين عن قوله :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
ولما كان ذلك باطلًا علمنا بهذه الآية عصمة الأنبياء والملائكة عليهم السلام .
الفائدة الرابعة : الغضب : تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام ، واعلم أن هذا على اللّه تعالى محال ، لكن هاهنا قاعدة كلية ، وهي أن جميع الأعراض النفسانية - أعني الرحمة ، والفرح ، والسرور ، والغضب ، والحياء ، والغيرة ، والمكر والخداع ، والتكبر ، والاستهزاء - لها أوائل ، ولها غايات ، ومثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب ، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه ، فلفظ الغضب في حق اللّه تعالى لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب ، بل على غايته الذي هو إرادة الاضرار ، وأيضاً ، والحياء له أول وهو انكسار يحصل في النفس ، وله غرض وهو ترك الفعل ، فلفظ الحياء في حق اللّه يحمل على ترك الفعل لا على انكسار النفس ، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب .
الفائدة الخامسة : قالت المعتزلة : غضب اللّه عليهم يدل على كونهم فاعلين للقبائح باختيارهم وإلا لكان الغضب عليهم ظلماً من اللّه تعالى ، وقال أصحابنا : لما ذكر غضب اللّه عليهم وأتبعه بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب اللّه عليهم علة لكونهم ضالين ، وحينئذ تكون صفة اللّه مؤثرة في صفة العبد ، أما لو قلنا إن كونهم ضالين يوجب غضب اللّه عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة اللّه تعالى ، وذلك محال .
الفائدة السادسة : أول السورة مشتمل على الحمد للّه والثناء عليه والمدح له ، وآخرها مشتمل على الذم للمعرضين عن الإيمان به والإقرار بطاعته ، وذلك يدل على أن مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على اللّه تعالى ، ومطلع الآفات ورأس المخافات هو الأعراض عن اللّه تعالى والبعد عن طاعته والاجتناب عن خدمته .
الفائدة السابعة : دلت هذه الآية على أن المكلفين ثلاث فرق : أهل الطاعة ، وإليهم الإشارة بقوله : أنعمت عليهم ، وأهل المعصية وإليهم الإشارة بقوله غير المغضوب عليهم ، وأهل الجهل في دين اللّه والكفر وإليهم الإشارة بقوله ولا الضالين .