تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
معنى اللام في ( الحمد للّه ) : الفائدة الثالثة : اللام في قوله الحمد للّه يحتمل وجوهاً كثيرة : أحدها : الاختصاص اللائق كقولك الجل للفرس وثانيها : الملك كقولك الدار لزيد وثالثها : القدرة والاستيلاء كقولك البلد للسلطان ، واللام في قولك الحمد للّه يحتمل هذه الوجوه الثلاثة فإن حملته على الاختصاص اللائق فمن المعلوم أنه لا يليق الحمد إلا به لغاية جلاله وكثرة فضله وإحسانه ، وإن حملته على الملك فمعلوم أنه تعالى مالك للكل فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده ، وإن حملته على الاستيلاء والقدرة فالحق سبحانه وتعالى كذلك لأنه واجب لذاته وما سواه ممكن لذاته والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته ، فالحمد للّه بمعنى أن الحمد لا يليق إلا به وبمعنى أن الحمد ملكه وملكه ، وبمعنى أنه هو المستولي على الكل والمستعلي على الكل . الفائدة الرابعة : قوله الحمد للّه ثمانية أحرف ، وأبواب الجنة ثمانية ، فمن قال هذه الثمانية عن صفاء قلبه استحق ثمانية أبواب الجنة . الفائدة الخامسة : الحمد لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، وفيه قولان : الأول : أنه إن كان مسبوقاً بمعهود سابق انصرف إليه ، وإلا يحمل على الاستغراق صوناً للكلام عن الإجمال والقول الثاني : أنه لا يفيد العموم إلا أنه يفيد الماهية والحقيقة فقط ، إذا عرفت هذه فنقول : قوله الحمد للّه إن قلنا بالقول الأول : أفاد أن كل ما كان حمداً وثناء فهو للّه وحقه وملكه ، وحينئذ يلزم أن يقال : إن ما سوى اللّه فإنه لا يستحق الحمد والثناء البتة ، وإن قلنا / بالقول الثاني : كان معناه أن ماهية الحمد حق اللّه تعالى وملك له ، وذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهية لغير اللّه ، فثبت على القولين أن قوله الحمد للّه ينفي حصول الحمد لغير اللّه . فإن قيل : أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه ، والأستاذ يستحق الحمد من التلميذ والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية ، وقال عليه السلام : من لم يحمد الناس لم يحمد اللّه . قلنا : إن كل من أنعم على غيره بإنعام فالمنعم في الحقيقة هو اللّه تعالى ، لأنه لولا أنه تعالى خلق تلك الداعية في قلب ذلك المنعم وإلا لم يقدم على ذلك الإنعام ، ولولا أنه تعالى خلق تلك النعمة وسلط ذلك المنعم عليها ومكن المنعم عليه من الانتفاع لما حصل الانتفاع بتلك النعمة ، فثبت أن المنعم في الحقيقة هو اللّه تعالى . الفائدة السادسة : أن قوله الحمد للّه كما دل على أنه لا محمود إلا اللّه ، فكذلك العقل دل عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى لو لم يخلق داعية الإنعام في قلب المنعم لم ينعم فيكون المنعم في الحقيقة هو اللّه الذي خلق تلك الداعية وثانيها : أن كل من أنعم على الغير فإنه يطلب بذلك الإنعام عوضاً إما ثواباً أو ثناء أو تحصيل حق أو تخليصاً للنفس من خلق البخل ، وطالب العوض لا يكون منعماً ، فلا يكون مستحقاً للحمد في الحقيقة ، أما اللّه سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته ، والكامل لذاته لا يطلب الكمال ، لأن تحصيل الحاصل محال ، فكانت عطاياه جوداً محضاً وإحساناً محضاً ، فلا جرم كان مستحقاً للحمد ، فثبت أنه لا يستحق الحمد إلا اللّه تعالى وثالثها : أن كل نعمة فهي من الموجودات الممكنة الوجود ، وكل ممكن الوجود فإنه وجد بإيجاد الحق إما ابتداء وإما بواسطة ، ينتج أن كل نعمة فهي من اللّه تعالى ويؤكد ذلك بقوله تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 192 | فخر الدين الرازي