بالقوانين الأصولية فهو أن اللّه تعالى لا يكون محسناً بالعباد إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات ليعلم أصناف حاجات العباد ، وإلا إذا كان قادراً على كل المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه ، وإلا إذا كان غنياً عن كل الحاجات ، إذا لو لم يكن كذلك لكان اشتغاله بدفع الحاجة عن نفسه يمنعه عن دفع حاجة العبد فثبت أن كونه محسناً لا يتم إلا بعد كونه منزهاً عن النقائض والآفات ، فثبت أن الابتداء بقوله الحمد للّه أولى من الابتداء بقوله سبحان اللّه .
الفائدة الحادية عشرة : الحمد للّه له تعلق بالماضي وتعلق بالمستقبل ، أما تعلقه بالماضي فهو أنه يقع شكراً على النعم المتقدمة ، وأما تعلقه بالمستقبل فهو أنه يوجب تجدد النعم في الزمان المستقبل ، لقوله تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] والعقل أيضاً يدل عليه ، وهو أن النعم السابقة توجب الإقدام على الخدمة ، والقيام بالطاعة ، ثم إذا اشتغل بالشكر انفتحت على العقل والقلب أبواب نعم اللّه تعالى ، وأبواب معرفته ومحبته ، وذلك من أعظم النعم ، فلهذا المعنى كان الحمد بسبب تعلقه بالماضي يغلق عنك أبواب النيران ، وبسبب تعلقه بالمستقبل يفتح لك أبواب الجنان ، فتأثيره في الماضي سد أبواب الحجاب عن اللّه تعالى ، وتأثيره في المستقبل فتح أبواب معرفة اللّه تعالى ، ولما كان لا نهاية لدرجات جلال اللّه فكذلك لا نهاية للعبد في معارج معرفة اللّه ، ولا مفتاح لها إلا قولنا الحمد للّه ، فلهذا السبب سميت سورة الحمد بسورة الفاتحة .
الفائدة الثانية عشرة : الحمد للّه كلمة شريفة جليلة لكن لا بد من ذكرها في موضعها وإلا لم يحصل المقصود منها ، قيل للسري السقطي : كيف يجب الإتيان بالطاعة ؟ قال : أنا منذ ثلاثين سنة أستغفر اللّه عن قولي مرة واحدة الحمد للّه ، فقيل كيف ذلك ؟ قال : وقع الحريق في بغداد واحترقت الدكاكين والدور فأخبروني إن دكاني لم يحترق فقلت الحمد للّه وكان معناه أني فرحت / ببقاء دكاني حال احتراق دكاكين الناس وكان حق الدين والمروءة أن لا أفرح بذلك فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة عن قولي الحمد للّه ، فثبت بهذا أن هذه الكلمة وإن كانت جليلة القدر إلا أنه يجب رعاية موضعها ، ثم إن نعم اللّه على العبد كثيرة ، إلا أنها بحسب القسمة الأولى محصورة في نوعين : نعم الدنيا ، ونعم الدين ، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا لوجوه كثيرة ، وقولنا الحمد للّه كلمة جليلة شريفة فيجب على العاقل إجلال هذه الكلمة من أن يذكرها في مقابلة نعم الدنيا ، بل يجب أن لا يذكرها إلا عند الفوز بنعم الدين ، ثم نعم الدين قسمان : أعمال الجوارح ، وأعمال القلوب ، والقسم الثاني أشرف ، ثم نعم الدنيا قسمان : تارة تعتبر تلك النعم من حيث هي نعم ، وتارة تعتبر من حيث إنها عطية المنعم ، والقسم الثاني أشرف ، فهذه مقامات يجب اعتبارها حتى يكون ذكر قولنا الحمد للّه موافقاً لموضعه لائقاً بسببه .
الفائدة الثالثة عشرة : أول كلمة ذكرها أبونا آدم هو قوله الحمد للّه ، وآخر كلمة يذكرها أهل الجنة هو قولنا الحمد للّه ، أما الأول : فلأنه لما بلغ الروح إلى سرته عطس فقال الحمد للّه رب العالمين ، وأما الثاني : فهو قوله تعالى :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] ففاتحة العالم مبنية على الحمد وخاتمته مبنية على الحمد ، فاجتهد حتى يكون أول أعمالك وآخرها مقروناً بهذه الكلمة فإن الإنسان عالم صغير فيجب أن تكون أحواله موافقة لأحوال العالم الكبير .
الفائدة الرابعة عشرة : من الناس من قال : تقدير الكلام قولوا الحمد للّه ، وهذا عندي ضعيف ، لأن