تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وأما الفرق بين الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك . إذا عرفت هذا فنقول : قد ذكرنا أن المدح حاصل للحي ولغير الحي ، وللفاعل المختار ولغيره فلو قال المدح للّه لم يدل ذلك على كونه تعالى فاعلًا مختاراً ، أما لما قال الحمد للّه فهو يدل على كونه مختاراً ، فقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يدل على كون هذا القائل مقراً بأن إله العالم ليس موجباً بالذات كما تقول الفلاسفة بل هو فاعل مختار وأيضاً فقوله الحمد للّه أولى من قوله الشكر للّه لأن قوله الحمد للّه ثناء على اللّه بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره وأما الشكر للّه فهو ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل ، ولا شك أن الأول أفضل لأن التقدير كأن العبد يقول : سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك وأصل إلى كل العالمين ، وأنت مستحق للحمد العظيم ، وقيل الحمد على ما دفع اللّه من البلاء ، والشكر على ما أعطى من النعماء . فإن قيل : النعمة في الإعطاء أكثر من النعمة في دفع البلاء فلما ذا ترك الأكثر وذكر الأقل قلنا في وجوه : الأول : كأنه يقول أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف لأعلاهما الثاني : المنع غير متناه ، والإعطاء متناه ، فكان الابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى الثالث : أن دفع الضرر أهم من جلب النفع ، فلهذا قدمه . الحمد للّه أبلغ من أحمد اللّه : الفائدة الثانية : [ الحمد للّه أبلغ من أحمد اللّه ] أنه تعالى لم يقل أحمد اللّه ولكن قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
وهذه العبارة الثانية أولى لوجوه : أحدها : أنه لو قال أحمد اللّه أفاد ذلك كون ذلك القائل قادراً على حمده أما لما قال
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فقد أفاد ذلك أنه كان محموداً قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين ، فهؤلاء سواء حمدوا أو لم يحمدوا وسواء شكروا أو لم يشكروا فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم وثانيها : أن قولنا الحمد للّه ، معناه أن الحمد والثناء حق للّه وملكه ، فإنه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد ، فقولنا : الحمد للّه معناه أن الحمد للّه حق يستحقه لذاته ولو قال أحمد اللّه لم يدل ذلك على كونه مستحقاً للحمد لذاته ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقاً للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصاً واحد حمده وثالثها : أنه لو قال أحمد اللّه لكان قد حمد لكن لا حمداً يليق به ، وأما إذا قال الحمد / للّه فكأنه قال : من أنا حتى أحمده ؟ لكنه محمود بجميع حمد الحامدين ، مثاله ما لو سئلت : هل لفلان عليك نعمة ؟ فإن قلت : نعم فقد حمدته ولكن حمداً ضعيفاً ، ولو قلت في الجواب : بل نعمه على كل الخلائق ، فقد حمدته بأكمل المحامد ورابعها : أن الحمد عبارة عن صفة القلب وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلًا منعماً مستحقاً للتعظيم والإجلال ، فإذا تلفظ الإنسان بقوله أحمد اللّه مع أنه كان قلبه غافلًا عن معنى التعظيم اللائق بجلال اللّه كان كاذباً ، لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامداً مع أنه ليس كذلك ، أما إذا قال الحمد للّه سواء كان غافلًا أو مستحضراً لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقاً لأن معناه أن الحمد حق للّه وملكه ، وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلًا بمعنى التعظيم والإجلال أو لم يكن ، فثبت أن قوله الحمد للّه أولى من قوله أحمد اللّه ، ونظيره فولنا لا إله إلا اللّه فإنه لا يدخله التكذيب ، بخلاف قولنا أشهد أن لا إله إلا اللّه لأنه قد يكون كاذباً في قوله أشهد ، ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
[ المنافقون : 1 ] ولهذا السر أمر في الأذان بقوله أشهد ثم وقع الختم على قوله لا إله إلا اللّه .