[ النحل : 53 ] والحمد لا معنى له إلا الثناء على الإنعام فلما كان لا إنعام إلا من اللّه تعالى ، وجب القطع بأن أحداً لا يستحق الحمد إلا اللّه تعالى ورابعها : النعمة لا تكون كاملة إلا عند اجتماع أمور ثلاثة : أحدها : أن تكون منفعة ، والانتفاع بالشيء مشروط بكونه حياً مدركاً ، وكونه حياً مدركاً لا يحصل إلا بإيجاد اللّه تعالى وثانيها : أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت خالية عن شوائب الضرر والغم ، وإخلاء المنافع عن شوائب الضرر لا يحصل إلا من اللّه تعالى . وثالثها : أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا كانت آمنة من خوف الانقطاع ، وهذا الأمر لا يحصل إلا من اللّه تعالى ، إذا ثبت هذا فالنعمة الكاملة لا تحصل إلا من اللّه تعالى ، فوجب أن لا يستحق الحمد الكامل إلا اللّه تعالى ، فثبت بهذه البراهين صحة قوله تعالى الحمد للّه .
الفائدة السابعة : قد عرفت أن الحمد عبارة عن مدح الغير بسبب كونه منعماً متفضلًا ، وما لم يحصل شعور الإنسان بوصول النعمة إليه امتنع تكليفه بالحمد والشكر ، إذا عرفت هذا فنقول : وجب كون الإنسان عاجزاً عن حمد اللّه وشكره ويدل عليه وجوه : - الأول : أن نعم اللّه على الإنسان كثيرة لا يقوى عقل الإنسان على الوقوف عليها ، كما قال تعالى :
إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ إبراهيم : 34 النحل : 18 ] إذا امتنع وقوف الإنسان عليها امتنع اقتداره على الحمد والشكر والثناء اللائق بها .
الثاني : أن الإنسان إنما يمكنه القيام بحمد اللّه وشكره إذا أقدره اللّه تعالى على ذلك الحمد والشكر وإذا خلق في قلبه داعية إلى فعل ذلك الحمد ، والشكر ، وإذا زال عنه العوائق والحوائل ، فكل ذلك إنعام من اللّه تعالى ، فعلى هذا لا يمكنه القيام بشكر اللّه تعالى إلا بواسطة نعم عظيمة من اللّه تعالى عليه ، وتلك النعم أيضاً توجب الشكر ، وعلى هذا التقدير : فالعبد لا يمكنه الإتيان بالشكر والحمد إلا عند الإتيان به مراراً لا نهاية لها ، وذلك محال ، والموقوف على المحال محال ، فكان الإنسان يمتنع منه الإتيان بحمد اللّه وبشكره على ما يليق به ، الثالث : أن الحمد والشكر ليس معناه مجرد قول القائل بلسانه الحمد للّه ، بل معناه علم المنعم عليه بكون المنعم موصوفاً بصفات الكمال والجلال وكل ما خطر ببال الإنسان من صفات الكمال والجلال فكمال اللّه وجلاله أعلى وأعظم من ذلك المتخيل والمتصور ، وإذا كان كذلك امتنع كون الإنسان آتياً بحمد اللّه وشكره وبالثناء عليه . الرابع : أن الاشتغال بالحمد والشكر معناه أن المنعم عليه يقابل الإنعام الصادر من المنعم بشكر نفسه وبحمد نفسه وذلك بعيد لوجوه : أحدها : أن نعم اللّه كثيرة لا حد لها فمقابلتها بهذا الاعتقاد الواحد وبهذه اللفظة الواحدة في غاية البعد ، وثانيها : أن من اعتقد أن حمده وشكره يساوي نعم اللّه تعالى فقد أشرك ، وهذا معنى قول الواسطي الشكر شرك ، وثالثها : أن الإنسان محتاج إلى إنعام اللّه في ذاته وفي صفاته وفي أحواله ، واللّه تعالى غني عن شكر الشاكرين وحمد الحامدين ، فكيف يمكن مقابلة نعم اللّه بهذا الشكر وبهذا الحمد ، فثبت بهذه الوجوه أن العبد عاجز عن الإتيان بحمد اللّه وبشكره فلهذه الدقيقة لم يقل احمدوا اللّه ، بل قال الحمد للّه لأنه لو قال احمدوا اللّه فقد كلفهم ما لا طاقة لهم به ، أما لما قال الحمد للّه كان المعنى أن كمال الحمد حقه وملكه ، سواء قدر الخلق على الإتيان به أو لم يقدروا عليه ،
ونقل أن داود عليه السلام قال : يا رب كيف أشكرك وشكري لك لا يتم إلا بإنعامك عليّ وهو أن توفقني لذلك الشكر ؟ فقال : يا داود لما علمت عجزك عن شكري / فقد شكرتني بحسب قدرتك وطاقتك .