تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
الثانية عشرة : الباء من « بسم » مشتق من البر فهو البار على المؤمنين بأنواع الكرامات في الدنيا والآخرة ، وأجل بره وكرامته أن يكرمهم يوم القيامة برؤيته . مرض لبعضهم جار يهودي قال : فدخلت عليه للعيادة وقلت له : أسلم ، فقال : على ماذا ؟ قلت : من خوف النار قال : لا أبالي بها ، فقلت : للفوز بالجنة ، فقال : لا أريدها ، قلت : فماذا تريد ؟ قال : على أن يريني وجهه الكريم ، قلت : أسلم على أن تجد هذا المطلوب ، فقال لي : أكتب بهذا خطاً ، فكتبت له بذلك خطاً فأسلم ومات من ساعته ، فصلينا عليه ودفناه ، فرأيته في النوم كأنه يتبختر فقلت له : يا شمعون ، ما فعل بك ربك ؟ قال : غفر لي ، وقال لي : أسلمت شوقاً إلي . وأما السين فهو مشتق من اسمه السميع ، يسمع دعاء الخلق من العرش إلى ما تحت الثرى . روي أن زيد بن حارثة خرج مع منافق من مكة إلى الطائف فبلغا خربة فقال المنافق ندخل هاهنا ونستريح ، فدخلا ونام زيد فأوثق المنافق زيداً وأراد قتله ، فقال زيد : لم تقتلني ؟ قال : لأن محمداً يحبك وأنا أبغضه ، فقال زيد : يا رحمن أغثني ، فسمع المنافق صوتاً يقول : ويحك لا تقتله ، فخرج من الخربة ونظر فلم ير أحداً ، فرجع وأراد قتله فسمع صائحاً أقرب من الأول يقول : لا تقتله ، فنظر فلم يجد أحداً ، فرجع الثالثة وأراد قتله فسمع صوتاً قريباً يقول : لا تقتله ، فخرج فرأى فارساً معه رمح فضربه الفارس ضربة فقتله ، ودخل الخربة وحل وثاق زيد ، وقال له : أما تعرفني ؟ أنا جبريل حين دعوت كنت في السماء السابعة فقال اللّه عز وجل : ( أدرك عبدي ) ، وفي الثانية كنت في السماء الدنيا ، وفي الثالثة بلغت إلى المنافق . وأما الميم فمعناه أن من العرش إلى ما تحت الثرى ملكه وملكه . قال السدي : أصاب الناس قحط على عهد سليمان بن داود عليهما السلام ، فأتوه فقالوا له : يا نبي اللّه ، لو خرجت بالناس إلى الاستسقاء ، فخرجوا وإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول : اللهم أنا خلق من خلقك ، ولا غنى لي عن فضلك ، قال : فصب اللّه تعالى عليهم المطر ، فقال لهم سليمان عليه السلام : ارجعوا فقد استجيب لكم بدعاء غيركم . أما قوله : « اللّه » فاعلموا أيها الناس أني أقول طول حياتي اللّه ، فإذا مت أقول اللّه ، وإذا سئلت في القبر أقول اللّه ، وإذا جئت يوم القيامة أقول اللّه ، وإذا أخذت الكتاب أقول اللّه وإذا وزنت أعمالي أقول اللّه ، وإذا جزت الصراط أقول اللّه ، وإذا دخلت الجنة أقول اللّه ، وإذا رأيت اللّه قلت اللّه . النكتة الثالثة عشرة : الحكمة في ذكر هذه الأسماء الثلاثة أن المخاطبين في القرآن ثلاثة أصناف كما قال تعالى :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
[ فاطر : 32 ] فقال : أنا اللّه للسابقين ، الرحمن للمقتصدين ، الرحيم للظالمين ، وأيضاً اللّه هو معطي العطاء ، والرحمن هو المتجاوز عن زلات الأولياء ، والرحيم هو المتجاوز عن الجفاء ، ومن كمال رحمته كأنه تعالى يقول أعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك ، ولو علمته المرأة لجفتك ، ولو علمته الأمة لأقدمت على الفرار منك ، ولو علمه الجار لسعى في تخريب الدار ، وأنا أعلم كل ذلك وأستره بكرمي لتعلم أني إله كريم . الرابعة عشرة : اللّه يوجب ولايته ، قال اللّه تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : 256 ] والرحمن يوجب