السادسة : سمى نفسه رحماناً رحيماً فكيف لا يرحم ؟ روي أن سائلًا وقف على باب رفيع فسأل شيئاً فأعطي قليلًا ، فجاء في اليوم الثاني بفأس وأخذ يخرب الباب فقيل له : ولم تفعل ؟ قال : إما أن يجعل الباب لائقاً بالعطية أو العطية لائقة بالباب . إلهنا إن بحار الرحمة بالنسبة إلى رحمتك أقل من الذرة بالنسبة إلى العرش ، فكما ألقيت في أول كتابك على عبادك صفة رحمتك فلا تجعلنا محرومين عن رحمتك وفضلك .
السابعة : « اللّه » إشارة إلى القهر والقدرة والعلو ، ثم ذكر عقيبه الرحمن الرحيم ، وذلك يدل على أن رحمته أكثر وأكمل من قهره .
الثامنة : كثيراً ما يتفق لبعض عبيد الملك أنهم إذا اشتروا شيئاً من الخيل والبغال والحمير وضعوا عليها سمة الملك لئلا يطمع فيها الأعداء ، فكأنه تعالى يقول : إن لطاعتك عدواً وهو الشيطان فإذا شرعت في عمل فاجعل عليه سمتي ، وقل : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، حتى لا يطمع العدو فيها .
التاسعة : اجعل نفسك قرين ذكر اللّه تعالى حتى لا تبعد عنه في الدارين ،
روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه دفع خاتمه إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه فقال : أكتب فيه لا إله إلا اللّه ، فدفعه إلى النقاش وقال : أكتب فيه لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، فكتب النقاش فيه ذلك ، فأتى أبو بكر بالخاتم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فرأى النبي فيه لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه أبو بكر الصديق ، فقال : يا أبا بكر ، ما هذه الزوائد ؟ فقال أبو بكر : يا رسول اللّه ما رضيت أن أفرق اسمك عن اسم اللّه ، وأما الباقي فما قلته ، وخجل أبو بكر ، فجاء جبريل عليه السلام وقال : يا رسول اللّه أما اسم أبي بكر فكتبته أنا لأنه ما رضي أن يفرق اسمك عن اسم اللّه فما رضي اللّه أن يفرق اسمه عن اسمك ،
والنكتة أن أبا بكر لما لم يرض بتفريق اسم محمد صلى اللّه عليه وسلم عن اسم اللّه عزّ وجلّ وجد هذه الكرامة فكيف إذا لم يفارق المرء ذكر اللّه تعالى ؟ .
العاشرة : أن نوحاً عليه السلام لما ركب السفينة قال :
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
[ هود : 41 ] فوجد النجاة بنصف هذه الكلمة ، فمن واظب على هذه الكلمة طول عمره كيف يبقى محروماً عن النجاة ؟ وأيضاً أن سليمان عليه السلام نال مملكة الدنيا والآخرة بقوله :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ النمل :
30 ] فالمرجو أن العبد إذا قاله فاز بملك الدنيا والآخرة .
الحادية عشرة : إن قال قائل لم قدم سليمان عليه السلام اسم نفسه على اسم اللّه تعالى في قوله :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
فالجواب من وجوه : الأول : أن بلقيس لما وجدت ذلك الكتاب موضوعاً على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد واقفاً على طرف الجدار علمت أن ذلك الكتاب من سليمان ، فأخذت الكتاب وقالت :
إنه من سلميان ، فلما فتحت الكتاب ورأت بسم اللّه الرحمن الرحيم قالت : وإنه بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فقوله :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
من كلام بلقيس لا كلام سليمان : الثاني : لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
وفي داخل الكتاب ابتدأ بقوله :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كما هو العادة في جميع الكتب ، فلما أخذت بلقيس ذلك الكتاب قرأت ما في عنوانه ، فقالت : إنه من سليمان ، فلما فتحت الكتاب قرأت : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فقالت : وأنه بسم اللّه الرحمن الرحيم : الثالث : أن بلقيس كانت كافرة فخاف سليمان أن تشتم اللّه إذا نظرت في الكتاب فقدم اسم نفسه على اسم اللّه تعالى ، ليكون الشتم له لا للّه تعالى .