تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
السبب الثاني : لهذا الاسم : أن حاصل جميع الكتب الإلهية يرجع إلى أمور ثلاثة : إما الثناء على اللّه باللسان ، وإما الاشتغال بالخدمة والطاعة ، وإما طلب المكاشفات والمشاهدات ، فقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
كله ثناء على اللّه ، وقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
اشتغال بالخدمة والعبودية ، إلا أن الابتداء وقع بقوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وهو إشارة إلى الجد والاجتهاد في العبودية ، ثم قال :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وهو إشارة إلى اعتراف العبد بالعجز والذلة والمسكنة والرجوع إلى اللّه ، وأما قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
فهو طلب للمكاشفات والمشاهدات وأنواع الهدايات . السبب الثالث : لتسمية هذه السورة بأم الكتاب : أن المقصود من جميع العلوم : إما معرفة عزة الربوبية ، أو معرفة ذلة العبودية فقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
يدل على أنه هو الإله المستولي على كل أحوال الدنيا والآخرة ، ثم من قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
إلى آخر السورة يدل على ذل العبودية ، فإنه يدل على أن العبد لا يتم له شيء من الأعمال الظاهرة ولا من المكاشفات الباطنة إلا بإعانة اللّه تعالى وهدايته . السبب الرابع : أن العلوم البشرية إما علم ذات اللّه وصفاته وأفعاله ، وهو علم الأصول وإما علم أحكام اللّه تعالى وتكاليفه ، وهو علم الفروع ، وإما علم تصفية الباطن وظهور الأنوار الروحانية والمكاشفات الإلهية . والمقصود من القرآن بيان هذه الأنواع الثلاثة ، وهذه السورة الكريمة مشتملة على تقرير هذه المطالب الثلاثة على أكمل الوجوه : فقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
إشارة إلى علم الأصول : لأن الدال على وجوده وجود مخلوقاته ، فقوله :
رَبِّ الْعالَمِينَ
يجري مجرى الإشارة إلى أنه لا سبيل إلى معرفة وجوده إلا بكونه رباً للعالمين ، وقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
إشارة إلى كونه مستحقاً للحمد ، ولا يكون مستحقاً للحمد إلا إذا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات ، ثم وصفه بنهاية الرحمة - وهو كونه رحماناً رحيماً - ثم وصفه بكمال القدرة - وهو قوله مالك يوم الدين - حيث لا يهمل أمر المظلومين ، بل يستوفي حقوقهم من الظالمين ، وعند هذا تم الكلام في معرفة الذات والصفات وهو علم الأصول ، ثم شرع بعده في تقرير علم الفروع ، وهو الاشتغال بالخدمة والعبودية ، وهو قول :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
ثم مزجه أيضاً بعلم الأصول مرة أخرى ، وهو أن أداء وظائف العبودية لا يكمل إلا بإعانة الربوبية ، ثم شرع بعده في بيان درجات المكاشفات وهي على كثرتها محصورة في أمور ثلاثة : أولها : حصول هداية النور في القلب ، وهو المراد من قوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
، وثانيها : أن يتجلى له درجات الأبرار المطهرين من الذين أنعم اللّه عليهم بالجلايا القدسية والجواذب الإلهية ، حتى تصير تلك الأرواح القدسية كالمرايا المجلوة فينعكس الشعاع من كل واحدة منها إلى الأخرى ، وهو قوله :
صِراطَ الَّذِينَ / أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
، وثالثها : أن تبقى مصونة معصومة عن أوضار الشهوات ، وهو قوله :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
وعن أوزار الشبهات ، وهو قوله :
وَلَا الضَّالِّينَ
فثبت أن هذه السورة مشتملة على هذه الأسرار العالية التي هي أشرف المطالب ، فلهذا السبب سميت بأم الكتاب كما أن الدماغ يسمى أم الرأس لاشتماله على جميع الحواس والمنافع . السبب الخامس : قال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب ، قال : سمعت أبا بكر القفال قال : سمعت أبا بكر بن دريد يقول : الأم في كلام العرب الراية التي ينصبها العسكر ، قال قيس بن الحطيم : -
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 157 | فخر الدين الرازي