الرابع : أن السلطان إذا أنعم عليك فهو غير عالم بتفاصيل أحوالك ، فقد ينعم عليك حال ما تكون غنياً عن إنعامه ، وقد يقطع عنك إنعامه حال ما تكون محتاجاً إلى إنعامه ، وأيضاً فهو غير قادر على الإنعام عليك في كل الأوقات وبجميع المرادات ، أما الحق تعالى فإنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات ، فإذا ظهرت بك حاجة عرفها ، وإن طلبت منه شيئاً قدر على تحصيله ، فكان ذلك أفضل .
الخامس : الإنعام يوجب المنة ، وقبول المنة من الحق أفضل من قبولها من الخلق .
فثبت بما ذكرنا أن الرحمن الرحيم هو اللّه تعالى ، وبتقدير أن يحصل رحمن آخر فرحمة اللّه تعالى أكمل وأفضل وأعلى وأجل واللّه أعلم .
الباب الحادي عشر في بعض النكت المستخرجة من قولنا ( بسم اللّه الرحمن الرحيم )
إشارات البسملة :
النكتة الأولى :
مرض موسى عليه السلام واشتد وجع بطنه ، فشكا إلى اللّه تعالى ، فدله على عشب في المفازة ، فأكل منه فعوفي بإذن اللّه تعالى ، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه ، فقال : يا رب ، أكلته أولًا فانتفعت به ، وأكلته ثانياً فازداد مرضي ، فقال : لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء ، وفي المرة الثانية ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض ، أما علمت أن الدنيا كلها سم قاتل وترياقها اسمي ؟ .
/ الثانية : باتت رابعة ليلة في التهجد والصلاة ، فلما انفجر الصبح نامت ، فدخل السارق دارها وأخذ ثيابها ، وقصد الباب فلم يهتد إلى الباب ، فوضعها فوجد الباب ، ففعل ذلك ثلاث مرات ، فنودي من زاوية البيت : ضع القماش واخرج فإن نام الحبيب فالسلطان يقظان .
الثالثة : كان بعض العارفين يرعى غنماً وحضر في قطيع غنمه الذئاب ، وهي لا تضر أغنامه ، فمر عليه رجل وناداه : متى اصطلح الذئب والغنم ؟ فقال الراعي : من حين اصطلح الراعي مع اللّه تعالى .
الرابعة : قوله ( بسم اللّه ) معناه أبدأ باسم اللّه ، فأسقط منه قوله : « أبدأ » تخفيفاً ، فإذا قلت بسم اللّه فكأنك قلت أبدأ باسم اللّه ، والمقصود منه التنبيه على أن العبد من أول ما شرع في العمل كان مدار أمره على التسهيل والتخفيف والمسامحة ، فكأنه تعالى في أول كلمة ذكرها لك جعلها دليلًا على الصفح والإحسان .
الخامسة :
روي أن فرعون قبل أن يدعي الإلهية بنى قصراً وأمر أن يكتب ( بسم اللّه ) على بابه الخارج ، فلما ادعى الإلهية وأرسل إليه موسى عليه السلام ودعاه فلم ير به أثر الرشد قال : إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً ، فقال تعالى : يا موسى ، لعلك تريد إهلاكه ، أنت تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه ، والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمناً من الهلاك وإن كان كافراً فالذي كتبه على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره كيف يكون حاله ؟ .