تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤

الفصل الثامن في الأسماء التي اختلف العقلاء فيها أنها هل هي من أسماء الذات أو من أسماء الصفات

الأسماء المختلف في مرجعها : هذا البحث إنما ظهر من المنازعة القائمة بين أهل التشبيه وأهل التنزيه ، وذلك لأن أهل التشبيه يقولون : الموجود إما أن يكون متحيزاً ، وإما أن يكون حالًا في المتحيز أما الذي لا يكون متحيزاً ولا حالًا في المتحيز - فكان خارجاً عن القسمين - فذاك محض العدم ، وأما أهل التوحيد والتقديس فيقولون : أما المتحيز فهو منقسم ، وكل منقسم فهو محتاج ، فكل متحيز هو محتاج ، فما لا يكون محتاجاً امتنع أن يكون متحيزاً ، وأما الحال في المتحيز فهو أولى بالاحتياج ، فواجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون متحيزاً أو حالًا في المتحيز . إذا عرفت هذا الأصل فنقول : هاهنا ألفاظ ظواهرها مشعرة بالجسمية والحصول في / الحيز والمكان : فمنها « العظيم » وذلك لأن أهل التشبيه قالوا : معناه أن ذاته أعظم في الحجمية والمقدار من العرش ومن كل ما تحت العرش ، ومنها « الكبير » وما يشتق منه ، وهو لفظ « الأكبر » ولفظ « الكبرياء » ولفظ « المتكبر » . واعلم أني ما رأيت أحداً من المحققين بين الفرق بينهما ، إلا أن الفرق حاصل في التحقيق من وجوه : الأول : أنه جاء في الأخبار الإلهية أنه تعالى يقول : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فجعل الكبرياء قائماً مقام الرداء ، والعظمة قائمة مقام الإزار . ومعلوم أن الرداء أرفع درجة من الإزار ، فوجب أن يكون صفة الكبرياء أرفع حالًا من صفة العظمة . والثاني : أن الشريعة فرقت بين الحالين ، فإن المعتاد في دين الإسلام أن يقال في تحريمه الصلاة « اللّه أكبر » ولم يقل أحد « اللّه أعظم » ولولا التفاوت لما حصلت هذه التفرقة . الثالث : أن الألفاظ المشتقة من الكبير مذكورة في حق اللّه تعالى كالأكبر والمتكبر بخلاف العظيم فإن لفظ المتعظم غير مذكور في حق اللّه . واعلم أن اللّه تعالى أقام كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى ، فقال :
وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[ البقرة : 255 ] وقال في آية أخرى :
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
[ سبأ : 23 ] إذا عرفت هذا فالمباحث السابقة مشعرة بالفرق بين العظيم وبين الكبير ، وهاتان الآيتان مشعرتان بأنه لا فرق بينهما ، فهذه العقدة يجب البحث عنها فنقول ومن اللّه الإرشاد والتعليم : يشبه أن يكون الكبير في ذاته كبيراً سواء استكبره غيره أم لا ، وسواء عرف هذه الصفة أحد أو لا ، وأما العظمة فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره ، وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية والثانية عرضية والذاتي أعلى وأشرف من العرضي ، فهذا هو الممكن في هذا المقام والعلم عند اللّه . ومن الأسماء المشعرة بالجسمية والجهة الألفاظ المشتقة من « العلو » فمنها قوله تعالى :
الْعَلِيُّ *
ومنها قوله :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
[ الأعلى : 1 ] ومنها المتعالي ومنها اللفظ المذكور عند الكل على سبيل الأطباق وهو أنهم كلما ذكروه أردفوا ذلك الذكر بقولهم : « تعالى » لقوله تعالى في أول سورة النحل :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
[ النحل : 1 ] إذا عرفت هذا فالقائلون بأنه في الجهة والمكان قالوا : معنى علوه وتعاليه