تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
كونه موجوداً في جهة فوق ، ثم هؤلاء منهم من قال إنه جالس فوق العرش ، ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد متناه ، ومنهم من قال : إنه مباين للعرش ببعد غير متناه ، وكيف كان فإن المشبهة حملوا لفظ العظيم والكبير على الجسمية والمقدار / وحملوا لفظ العلي على العلو في المكان والجهة ، وأما أهل التنزيه والتقديس فإنهم حملوا العظيم والكبير على وجوه لا تفيد الجسمية والمقدار : فأحدها : أنه عظيم بحسب مدة الوجود ، وذلك لأنه أزلي أبدي ، وذلك هو نهاية العظمة والكبرياء في الوجود والبقاء والدوام ، وثانيها : أنه عظيم في العلم والعمل ، وثالثها : أنه عظيم في الرحمة والحكمة ، ورابعها : أنه عظيم في كمال القدرة ، وأما العلو فأهل التنزيه يحملون هذا اللفظ على كونه منزهاً عن صفات النقائص والحاجات . إذا عرفت هذا فلفظ العظيم والكبير عند المشبهة من أسماء الذات ، وعند أهل التوحيد من أسماء الصفات ، وأما لفظ العلي فعند الكل من أسماء الصفات ، إلا أنه عند المشبهة يفيد الحصول في الحيز الذي هو العلو الأعلى ، وعند أهل التوحيد يفيد كونه منزها عن كل ما لا يليق بالإلهية ، فهذا تمام البحث في هذا الباب .

الفصل التاسع في الأسماء الحاصلة للّه تعالى من باب الأسماء المضمرة

الأسماء المضمرة : اعلم أن الأسماء المضمرة ثلاثة : أنا ، وأنت ، وهو ، وأعرف الأقسام الثلاثة قولنا : « أنا » لأن هذا اللفظ لفظ يشير به كل أحد إلى نفسه ، وأعرف المعارف عند كل أحد نفسه ، وأوسط هذه الأقسام قولنا : « أنت » لأن هذا خطاب للغير بشرط كونه حاضراً ، فلأجل كونه خطاباً للغير يكون دون قوله أنا ، ولأجل أن الشرط فيه كون ذلك المخاطب حاضراً يكون أعلى من قوله : « هو » فثبت أن أعلى الأقسام هو قوله : « أنا » وأوسطها « أنت » وأدناها « هو » وكلمة التوحيد وردت بكل واحدة من هذه الألفاظ ، أما لفظ « أنا » فقال في أول سورة النحل
أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
[ النحل : 2 ] وفي سورة طه
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
[ طه : 14 ] وأما لفظ أنت فقد جاء في قوله :
فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
[ الأنبياء : 87 ] وأما لفظ هو فقد جاء كثيراً في القرآن أولها في سورة البقرة في قوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
[ البقرة : 163 ] وآخرها في سورة المزمل وهو قوله :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
[ المزمل : 9 ] وأما ورود هذه الكلمة مقروناً باسم آخر سوى هذه الأربعة فهو الذي حكاه اللّه تعالى عن فرعون أنه قال :
آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ
[ يونس : 90 ] ثم بين اللّه تعالى أن تلك الكلمة ما قبلت منه . إذا عرفت هذا فلنذكر أحكام هذه الأقسام فنقول : أما قوله :
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا *
فهذا الكلام لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا اللّه أو من يذكره على سبيل الحكاية عن اللّه ، لأن تلك الكلمة تقتضي إثبات الإلهية لذلك القائل ، وذلك لا يليق إلا باللّه سبحانه ، واعلم أن معرفة هذه الكلمة مشروطة بمعرفة قوله : « أنا » وتلك المعرفة على سبيل التمام والكمال لا تحصل إلا للحق سبحانه وتعالى ، لأن علم كل أحد بذاته المخصوصة أكمل من علم غيره به ، لا سيما في حق الحق تعالى ، فثبت أن قوله : « لا إله إلا أنا » لم يحصل العلم به على سبيل الكمال