إذا عرفت هذا فنقول : إن أقسام مقدورات اللّه تعالى بحسب الأنواع والأجناس غير متناهية ، فلا جرم يمكن أن يحصل للّه تعالى أسماء غير متناهية بحسب هذا الاعتبار .
وإذا عرفت هذا فنقول : هاهنا دقائق لا بد منها : فالدقيقة الأولى : أن مقابل الشيء تارة يكون ضده وتارة يكون عدمه ، فقولنا : « المعز المذل » وقولنا : « المحيي المميت » يتقابلان تقابل الضدين ، وأما قولنا : « القابض الباسط ، الخافض الرافع » فيقرب من أن يكون تقابلهما تقابل العدم والوجود ، لأن القبض عبارة عن أن لا يعطيه المال الكثير ، والخفض عبارة أن لا يعطيه الجاه الكبير ، أما الإعزاز والإذلال فهما متضادان ، لأنه فرق بين أن لا يعزه وبين أن يذله والدقيقة الثانية : أنه قد تكون الألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة ولكن التأمل التام يدل على الفرق اللطيف ، وله أمثلة : المثال الأول : الرؤوف الرحيم ، يقرب من هذا الباب إلا أن الرؤوف أميل إلى جانب إيصال النفع ، والرحيم أميل إلى جانب دفع الضرر ، والمثال الثاني : الفاتح ، والفتاح ، والنافع والنفاع ، والواهب والوهاب ، فالفاتح يشعر بأحداث سبب الخير ، / والواهب يشعر بإيصال ذلك الخير إليه ، والنافع يشعر بإيصال ذلك النفع إليه بقصد أن ينتفع ذلك الشخص به ، وإذا وقفت على هذا القانون المعتبر في هذا الباب أمكنك الوقوف على حقائق هذا النوع من الأسماء .
الباب السادس في الأسماء الواقعة بحسب الصفات السلبية
واعلم أن القرآن مملوء منه ، وطريق الضبط فيه أن يقال : ذلك السلب إما أن يكون عائدا إلى الذات ، أو إلى الصفات ، أو إلى الأفعال ، أما السلوب العائدة إلى الذات فهي قولنا إنه تعالى ليس كذا ولا كذا ، كقولنا : إنه ليس جوهرا ولا جسما ولا في المكان ولا في الحيز ولا حالا ولا محلا ، واعلم أنا قد دللنا على أن ذاته مخالفة لسائر الذوات والصفات لعين ذاته المخصوصة ، لكن أنواع الذوات والصفات المغايرة لذاته غير متناهية ، فلا جرم يحصل هاهنا سلوب غير متناهية ، ومن جملتها قوله تعالى :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
[ محمد : 38 ] وقوله :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ
[ الأنعام : 133 ] لأن كونه غنيا أنه لا يحتاج في ذاته ولا في صفاته الحقيقية ولا في صفاته السلبية إلى شيء غيره ، ومنه أيضا قوله :
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
[ الصمد : 3 ] وأما السلوب العائدة إلى الصفات فكل صفة تكون من صفات النقائص فإنه يجب تنزيه اللّه تعالى عنها ، فمنها ما يكون من باب أضداد العلم ومنها ما يكون من باب أضداد القدرة ، ومنها ما يكون من باب أضداد الاستغناء ، ومنها ما يكون من باب أضداد الوحدة : ومنها ما يكون من باب أضداد العلم فأقسام ، أحدها : نفي النوم ، قال تعالى :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] وثانيها : نفي النسيان ، قال تعالى :
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
[ مريم : 64 ] وثالثها : نفي الجهل قال تعالى :
لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[ سبأ : 3 ] ورابعها : أن علمه ببعض المعلومات لا يمنعه عن العلم بغيره فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ، وأما السلوب العائدة إلى صفة القدرة فأقسام : أحدها : أنه منزه في أفعاله عن التعب والنصب قال تعالى :
وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
[ ق : 38 ] وثانيها :
أنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات والأدوات وتقدم المادة والمدة ، قال تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ