تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
دلائل مثبتي الصفات : المسألة الثانية : في دلائل مثبتي القول بالصفات : اعلم أنه ثبت أن إله العالم يجب أن يكون عالما قادرا حيا ، فنقول يمتنع أن يكون علمه وقدرته نفس تلك الذات ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنا ندرك تفرقة ضرورية بديهية بين قولنا : ذات اللّه ذات ، وبين قولنا : ذات اللّه عالمة قادرة ، وذلك يدل على أن كونه عالما قادرا ليس نفس تلك الذات . الثاني : أنه يمكن العلم بكونه موجودا مع الذهول عن كونه قادرا وعالما ، وكذلك يمكن أن يعلم كونه قادرا مع الذهول عن كونه عالما ، وبالعكس ، وذلك يدل على أن كونه عالما قادرا ليس نفس تلك الذات ، الثالث : أن كونه عالما عام التعلق بالنسبة إلى الواجب والممتنع والممكن ، وكونه قادرا ليس عام التعلق بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة ، بل هو مختص بالجائز فقط ، ولولا / الفرق بين العلم وبين القدرة وإلا لما كان كذلك ، الرابع : أن كونه تعالى قادرا يؤثر في وجود المقدور ، وكونه عالما لا يؤثر ، ولولا المغايرة وإلا لما كان كذلك ، الخامس : أن قولنا : موجود ، يناقضه قولنا : ليس بموجود ، ولا يناقضه قولنا : ليس بعالم ، وذلك يدل على أن المنفي بقولنا : ليس بموجود مغاير للمنفي بقولنا : ليس بعالم ، وكذا القول في كونه قادرا . فهذه دلائل واضحة على أنه لا بدّ من الإقرار بوجود الصفات للّه تعالى ، إلا أنه بقي أن يقال : لم لا يجوز أن تكون هذه الصفات صفات نسبية وإضافية فالمعنى من « كونه قادرا » كونه بحيث يصح منه الإيجاد ، وتلك الصحة معللة بذاته ، و « كونه عالما » معناه الشعور والإدراك ، وذلك حالة نسبية إضافية ، وتلك النسبية الحاصلة معللة بذاته المخصوصة ، وهذا تمام الكلام في هذا الباب . المسألة الثالثة : أنا إذا قلنا بإثبات الصفات الحقيقية فنقول : الصفة الحقيقية إما أن تكون صفة يلزمها حصول النسبة والإضافة ، وهي مثل العلم والقدرة ، فإن العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم ، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور ، فهذه الصفات وإن كانت حقيقية إلا أنه يلزمها لوازم من باب النسب والإضافات . أما الصفة الحقيقية العارية عن النسبة والإضافة في حق اللّه تعالى فليست إلا صفة الحياة فلنبحث عن هذه الصفة فنقول : قالت الفلاسفة : الحي هو الدارك الفعال ، إلا أن الدراكية صفة نسبية والفعالية أيضا كذلك ، وحينئذ لا تكون الحياة صفة مغايرة للعلم والقدرة على هذا القول ، وقال المتكلمون إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالما قادرا ، واحتجوا عليه بأن الذوات متساوية في الذاتية ومختلفة في هذه الصحة ، فلا بد وأن تكون تلك الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة ، فوجب أن تكون صحيحة لأجل صفة زائدة ، فيقال لهم : قد دللنا على أن ذات اللّه تعالى مخالفة لسائر الذوات لذاته المخصوصة ، فسقط هذا الدليل ، وأيضا الذوات مختلفة في قبول صفة الحياة ، فوجب أن يكون صحة قبول الحياة لصفة أخرى ، ولزم التسلسل ، ولا جواب عنه إلا أن يقال : إن تلك الصحة من لوازم الذات المخصوصة فاذكروا هذا الكلام في صحة العالمية ، وقال قوم ثالث : معنى كونه حيا أنه لا يمتنع أن يقدر ويعلم ، فهذا عبارة عن نفي الامتناع ، ولكن الامتناع عدم ، فنفيه يكون عدما للعدم ، فيكون ثبوتا ، فيقال لهم : هذا مسلم ، لكن لم لا يجوز أن يكون هذا الثبوت هو تلك الذات المخصوصة ؟ فإن قالوا : الدليل عليه أنا نعقل تلك الذات مع الشك في كونها حية ، فوجب أن يكون كونها حية
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 125 | فخر الدين الرازي