قيل : لم وجد العالم ؟ قلنا : لأجل أن اللّه أوجده ، فلو كان كون الموجد موجدا له معناه نفس هذا الأثر لكان تعليل وجود الأثر بالموجدية يقتضي تعليل وجوده نفسه ، ولو كان معللا بنفسه لامتنع إسناده إلى الغير ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر يقتضي نفي الموجدية ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلا ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر كلام باطل ، فوجب أن يكون كون الموجد موجدا أمرا مغايرا لكون الفاعل قادرا لوجود الأثر ، فثبت أن التكوين غير المكون .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول : القائلون بأن التكوين نفس المكون قالوا : معنى كونه تعالى خالقا رازقا محييا مميتا ضارا نافعا عبارة عن نسبة مخصوصة وإضافة مخصوصة ، وهي تأثير قدرة اللّه تعالى في حصول هذه الأشياء . وأما القائلون بأن التكوين غير المكون ، فقالوا معنى كونه خالقا رازقا ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط ، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية .
اعلم أن الصفات الإضافية على أقسام : أحدها : كونه معلوما مذكورا مسبحا ممجدا ، فيقال : يا أيها المسبح بكل لسان ، يا أيها الممدوح عند كل إنسان ، يا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان ، ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة للّه بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية . وثانيها :
كونه تعالى فاعلا للأفعال صفة إضافية محضة بناءً على أن تكوين الأشياء ليس بصفة زائدة ، إذا عرفت هذا فالمخبر عنه إما أن يكون مجرد كونه موجدا ، أو المخبر عنه كونه موجدا للنوع الفلاني لأجل الحكمة الفلانية ، أما القسم الأول : - وهو اللفظ الدال على مجرد كونه موجدا - فههنا ألفاظ تقرب من أن تكون مترادفة مثل :
الموجد ، والمحدث ، والمكون ، والمنشئ ، والمبدع ، والمخترع ، والصانع ، والخالق ، والفاطر ، والبارئ ، فهذه ألفاظ عشرة متقاربة ، ومع ذلك فالفرق حاصل : أما الاسم الأول : - وهو الموجد - فمعناه المؤثر في الوجود ، وأما المحدث فمعناه الذي جعله موجودا / بعد أن كان معدوما ، وهذا أخص من مطلق الإيجاد ، وأما المكون فيقرب من أن يكون مرادفا للموجود ، وأما المنشئ فاشتقاقه من النشوء والنماء ، وهو الذي يكون قليلا قليلا على التدريج ، وأما المبدع فهو الذي يكون دفعة واحدة ، وهما كنوعين تحت جنس الموجد . والمخترع قريب من المبدع ، وأما الصانع فيقرب أن يكون اسما لمن يأتي بالفعل على سبيل التكلف ، وأما الخالق فهو عبارة عن التقدير ، وهو في حق اللّه تعالى يرجع إلى العلم ، وأما الفاطر فاشتقاقه من الفطر وهو الشق ، ويشبه أن يكون معناه هو الأحداث دفعة ، وأما البارئ فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة ، يقال : برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقا لغرض معين ، فهذا بيان هذه الألفاظ الدالة على كونه موجدا على سبيل العموم ، أما الألفاظ الدالة على إيجاد شيء بعينه فتكاد أن تكون غير متناهية ، ويجب أن نذكر في هذا الباب أمثلة فالمثال الأول : أنه إذا خلق النافع سمي نافعا ، وإذا خلق المؤلم سمي ضارا ، والمثال الثاني : إذا خلق الحياة سمي محييا ، وإذا خلق الموت سمي مميتا ، والمثال الثالث : إذا خصهم بالإكرام سمي برا لطيفا ، وإذا خصهم بالقهر سمي قهارا جبارا ، والمثال الرابع : إذا قلل العطاء سمي قابضا ، وإذا أكثره سمي باسطا ، والمثال الخامس : إن جارى ذوي الذنوب بالعقاب سمي منتقما وإن ترك ذلك الجزاء سمي عفوا غفورا رحيما رحمانا ، المثال السادس : إن حصل المنع والإعطاء في الأموال سمي قابضا باسطا ، وإن حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضا رافعا .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 127
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٧