المنصوب ، وعلى هذا التقدير يصير فعلا تاما . فثبت أن القول بأن بهذه الكلمة الناقصة فعل يوجب كونها تامة غير ناقصة ، وما أفضى ثوبته إلى نفيه كان باطلا ، فكان القول بأن هذه الكلمة ناقصة كلاما باطلا ، ولما أوردت هذا السؤال عليهم بقي الأذكياء من النحويين والفضلاء منهم متحيرين فيه زمانا طويلا ، وما أفلحوا في الجواب ، ثم لما تأملت فيه وجدت الجواب الحقيقي الذي يزيل الشبهة ، وتقريره أن نقول : لفظ « كان » لا يفيد إلا الحدوث والحصول والوجود ، إلا أن هذا على قسمين : منه ما يفيد حدوث الشيء في نفسه ، ومنه ما يفيد موصوفية شيء بشيء آخر . أما القسم الأول : فإن لفظ « كان » يتم بإسناده إلى ذلك الشيء الواحد لأنه يفيد أن ذلك الشيء قد حدث وحصل ، وأما القسم الثاني فإنه لا تتم فائدته إلا بذكر الاسمين ، فإنه إذا ذكر كان معناه حصول موصوفية زيد بالعلم ولا يمكن ذكر موصوفية هذا بذاك إلا عند ذكرهما جميعا ، فلا جرم لا يتم المقصود إلا بذكرهما ، فقولنا : « كان زيد عالما » ، معناه أنه حدث وحصل موصوفية زيد بالعلم ، فثبت بما ذكرنا أن لفظ الكون يفيد الحصول والوجود فقط ، إلا أنه في القسم الأول يكفيه إسناده إلى اسم واحد ، وفي القسم الثاني :
لا بد من ذكر الاسمين ، وهذا من اللطائف النفيسة في علم النحو ، إذا عرفت هذا فنقول : فعلى هذا التقدير لا فرق بين الكائن والموجود فوجب جواز إطلاقه على اللّه تعالى .
القسم الثالث : من أقسام الصفات الحقيقية : - [ المسألة الأولى ] الصفة المغايرة للوجود مذهب نفاة الصفات :
الصفة التي تكون مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود .
اعلم أن هذا البحث مبني على أنه هل يجوز قيام هذه الصفات ذات اللّه تعالى ؟ فالمعتزلة والفلاسفة ينكرونه أشد الإنكار ، ويحتجون عليه بوجوه :
الأول : أن تلك الصفة إما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة لذاتها ، والقسمان باطلان ، فبطل القول بالصفات ، وإنما قلنا أنه يمتنع كونها واجبة لذاتها لوجهين : الأول : أنه ثبت في الحكمة أن واجب الوجود لذاته لا يكون إلا واحدا . الثاني : أن الواجب لذاته هو الذي يكون غنيا عما سواه ، والصفة هي التي تكون مفتقرة إلى الموصوف ، فالجمع بين الوجوب الذاتي وبين كونه صفة للغير محال ، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون ممكنا لذاته لوجهين : الأول : أن الممكن لذاته لا بدّ له من سبب ، وسببه لا يجوز أن يكون غير ذات اللّه ، لأن / تلك الذات لما امتنع خلوها عن تلك الصفة ، وتلك الصفة مفتقرة إلى الغير لزم كون تلك الذات مفتقرة إلى الغير .
وما كان كذلك كان ممكنا لذاته فيلزم أن يكون الواجب لذاته ممكنا لذاته ، وهو محال ، ولا يجوز أن يكون هو ذات اللّه تعالى ، لأنها قابلة لتلك الصفة فلو كانت مؤثرة فيها لزم كون الشيء الواحد بالنسبة إلى الشيء الواحد فاعلا وقابلا معا ، وهو محال ، لما ثبت أن الشيء الواحد لا يصدر عنه إلا أثر واحد ، والفعل والقبول أثران مختلفان : الثاني : أن الأثر مفتقر إلى المؤثر ، فافتقاره إليه إما أن يكون بعد حدوثه ، أو حال حدوثه ، أو حال عدمه ، والأول باطل . وإلا لكان تأثير ذلك المؤثر في إيجاده تحصيلا للحاصل ، وهو محال ، فبقي القسمان الأخيران ، وذلك يقتضي أن يكون كلما كان الشيء أثرا لغيره كان حادثا ، فوجب أن يقال : الشيء الذي لا يكون حادثا فإنه لا يكون أثرا للغير ، فثبت أن القول بالصفات باطل .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 123
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٣