رحمة للعالمين وأن أكسر المعازف والأصنام ، وأقسم ربي على نفسه أن لا يشرب عبد خمرا ثم لم يتب إلى اللّه تعالى منه إلا سقاه اللّه تعالى من طينة الخبال » فقال : قلت : يا رسول اللّه ، وما طينة الخبال ؟ قال : « صديد أهل جهنم » .
نفس الشيء ذاته وحقيقته :
واعلم أن النفس عبارة عن ذات الشيء ، وحقيقته ، وهويته ، وليس عبارة عن الجسم المركب من الأجزاء ، لأن كل جسم مركب ، وكل مركب ممكن ، وكل ممكن محدث ، وذلك / على اللّه محال فوجب حمل لفظ النفس على ما ذكرناه .
المسألة الخامسة : في لفظ الشخص ،
عن سعد بن عبادة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا شخص أغير من اللّه ، ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا شخص أحب إليه العذر من اللّه ، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين ، ولا شخص أحب إليه المدح من اللّه » .
واعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد من الشخص الجسم الذي له تشخص وحجمية ، بل المراد منه الذات المخصوصة والحقيقة المعينة في نفسها تعينا باعتباره يمتاز عن غيره .
هل يقال للّه « النور » :
المسألة السادسة : في أنه هل يجوز إطلاق لفظ النور على اللّه ، قال اللّه تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ النور : 35 ] وأما الأخبار
فروي أنه قيل لعبد اللّه بن عمر : نقل عنك أنك تقول الشقي من شقي في بطن أمه ، فقال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن اللّه خلق الخلق في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور شيء فقد اهتدى ، ومن أخطأ فقد ضل » فلذلك أقول : جف القلم على علم اللّه تعالى .
واعلم أن القول بأن اللّه تعالى هو هذا النور أو من جنسه قول باطل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن النور إما أن يكون جسما أو كيفية في جسم ، والجسم محدث فكيفياته أيضا محدثة ، وجل الإله عن أن يكون محدثا .
الثاني : أن النور تضاده الظلمة ، والإله منزه عن أن يكون له ضد . الثالث : أن النور يزول ويحصل له أفول ، واللّه منزه عن الأفول والزوال ، وأما قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فجوابه أن هذه الآية من المتشابهات ، والدليل عليه ما ذكرناه من الدلائل العقلية ، وأيضا فإنه تعالى قال عقيب هذه الآية
مَثَلُ نُورِهِ
[ النور : 35 ] فأضاف النور إلى نفسه إضافة الملك إلى مالكه ، فهذا يدل على أنه في ذاته ليس بنور ، بل هو خالق النور .
بقي أن يقال : فما المقتضي لحسن إطلاق لفظ النور عليه ؟ فنقول فيه وجوه : الأول : قرأ بعضهم « للّه نور السماوات والأرض » وعلى هذه القراءة فالشبهة زائلة ، والثاني : أنه سبحانه منور الأنوار ومبدعها وخالقها ، فلهذا التأويل حسن إطلاق النور عليه . والثالث : أن بحكمته حصلت مصالح العالم . وانتظمت مهمات الدنيا والآخرة ، ومن كان ناظما للمصالح وساعيا في الخيرات فقد يسمى بالنور ، يقال : فلان نور هذه البلد ، إذا كان موصوفا بالصفة المذكورة . والرابع : أنه هو الذي تفضل على عباده بالإيمان والهداية والمعرفة ، وهذه الصفات من جنس الأنوار ويدل عليه القرآن والأخبار : أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية :
نُورٌ عَلى / نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ