فإن قالوا : لما حصل الوجود بمعنى الوجدان لزم حصول الوجود بمعنى الثبوت والتحقق إذ لو كان عدما محضا لما كان الأمر كذلك .
فنقول : هذا ضعيف من وجهين : الأول : أنه لا يلزم من حصول الوجود بمعنى الوجدان والمعرفة حصول الوجود بمعنى الثبوت ، لما ثبت أن المعدوم قد يكون معلوما ، والثاني : أنا بينا أن هذا البحث ليس إلا في اللفظ ، فلا يلزم من حصول الاسم بحسب معنى حصول الاسم بحسب معنى آخر ، ثم نقول : ثبت بإجماع المسلمين إطلاق هذا الاسم فوجب القول به .
فإن قالوا : ألستم قلتم إن أسماء اللّه تعالى يجب كونها دالة على المدح والثناء ، ولفظ الموجود لا يفيد ذلك ؟ .
قلنا عدلنا عن هذا الدليل بدلالة الإجماع ، وأيضا فدلالة لفظ الموجود على المدح أكثر من دلالة لفظ الشيء عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه عند قوم يقع لفظ الشيء على المعدوم كما يقع على الموجود ، أما الموجود فإنه لا يقع على المعدوم البتة ، فكان إشعار هذا اللفظ بالمدح أولى . الثاني : أن لفظ الموجود بمعنى المعلوم يفيد صفة المدح والثناء ، لأنه يفيد أن بسبب كثرة الدلائل على وجوده وإلاهيته صار كأنه معلوم لكل أحد موجود عند كل أحد واجب الإقرار به عند كل عقل ، فهذا اللفظ أفاد المدح والثناء من هذا الوجه ، فظهر الفرق بينه وبين لفظ الشيء .
معنى قولنا ذات اللّه :
المسألة الثالثة : في الذات :
روى عبد اللّه الأنصاري الهروي في الكتاب الذي سماه « بالفاروق » أخبارا تدل على هذا اللفظ : أحدها : عن عائشة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن من أعظم الناس أجرا الوزير الصالح من أمير يطيعه في ذات اللّه » ،
وثانيها :
عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن إبراهيم لم يكذب إلا في ثلاث ثنتين في ذات اللّه » ،
وثالثها :
عن كعب بن عجرة عن أبيه رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسبوا عليا فإنه كان مخشوشا في ذات اللّه » ،
ورابعها :
عن أبي ذر قال : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي الجهاد أفضل ؟ قال : « أن تجاهد نفسك وهواك في ذات اللّه »
وخامسها :
عن النعمان بن بشير عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أن للشيطان مصايد وفخوخا منها البطر بأنعم اللّه ، والفخر بعطاء اللّه ، والكبر على عباد اللّه ، واتباع الهوى في غير ذات اللّه » .
وأقول : إن كل شيء حصل به أمر من الأمور فإن كان اللفظ الدال على ذلك الشيء مذكرا قيل إنه ذو ذلك الأمر ، وإن كان مؤنثا قيل إنها ذات ذلك الأمر ، فهذه اللفظة وضعت لإفادة هذه النسبة والدلالة على ثبوت هذه الإضافة ، إذا عرفت هذا فنقول : إنه من المحال أن تثبت هذه الصفة لصفة الثانية ، وتلك الصفة الثانية تثبت لصفة ثالثة ، وهكذا إلى غير النهاية ، بل لا بدّ وأن تنتهي إلى حقيقة واحدة قائمة بنفسها مستقلة بماهيتها ، وحينئذ يصدق على تلك الحقيقة أنها ذات تلك الصفات ، فقولنا : « إنها ذات كذا وكذا إنما يصدق في الحقيقة على تلك الماهية القائمة بنفسها ، فلهذا السبب جعلوا هذه اللفظة كاللفظة المفردة الدالة على هذه الحقيقة ، ولما كان الحق تعالى قيوما في ذاته كان إطلاق اسم الذات عليه حقا وصدقا ، وأما الأخبار التي رويناها عن الأنصاري الهروي فإن شيئا منها لا يدل على هذا المعنى ، لأنه ليس المراد من لفظ الذات فيها حقيقة اللّه تعالى وماهيته ،
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 114
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١١٤